مقالات

الباقر عكاشة عثمان يكتب: لماذا ظلت معسكرات الحرب باقية؟

الحرب التي أشعلتها قوات الدعم السريع ليست الأولى في السودا لكنها ربما كانت الأكثر كشفا لحقيقة الأزمة السودانية التي ظلت تتوارى خلف اتفاقيات السلام والهدن والمساومات السياسية.فمنذ الاستقلال والسودان يدور في الحلقة نفسها حرب تبدأ ثم اتفاق سلام ثم صمت مؤقت ثم حرب جديدة بنفس القيادات اوقيادات جديدة منشقة والضحية دائما هو المواطن.

اكتوى أهل المناطق الملتهبة بنيران الحروب لعقود نزحوا وفقدوا ممتلكاتهم وأمنهم وعاشوا في المعسكرات بينما ظلت جذور الأزمة قائمة تنتظر انفجارا جديدا وليس من الإنصاف أن نضع كل التجارب المسلحة في سلة واحدة فعندما وصلت قوات حركة العدل والمساواة إلى الخرطوم في عام 2008، كانت تلك مواجهة عسكرية خطيرة لكن المشهد الذي عاشته البلاد آنذاك لا يشبه ما شهدناه في حرب مليشيا ال دقلو من احتلال واسع للمنازل وتهجير للسكان وانتهاكات طالت المدنيين وممتلكاتهم وأمنهم وكرامتهم ما حدث في هذه الحرب اللعينة التي فرضتا مليشيا ال دقلو جعل المواطن يرى الحرب داخل منزله لا على أطراف البلاد .

رأينا مدنا تُفرغ من سكانها، وبيوتا تحتل وأسرا تُهجر قسرا ومواطنين يتحولون في ساعات إلى نازحين يبحثون عن مكان آمن وانتشرت قوات الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة وسنار وأجزاء من النيل الأبيض وشمال كردفان ودفعت الحرب بملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء ومراكز الإيواء.

وعندما استعادت القوات المسلحة تلك المناطق عاد المواطنون إلى ديارهم وتم تفكيك بعض مراكز الإيواء وعادت الأسر إلى مناطقها وهي تحمل جراح الحرب لكنها تحمد الله على نعمة الأمن.
وهنا يبدأ السؤال الذي دفعني إلى كتابة هذا المقال ماذا عن دارفور؟.

لماذا ظل المواطن الدارفوري النازح يعيش سنوات طويلة في المعسكرات؟.

لقد جاءت اتفاقية أبوجا ثم اتفاقية جوبا للسلام ورفعتا شعارات السلام والعودة وإعادة بناء الدولة ومعالجة آثار الحرب.
لكن السؤال البسيط الذي لم يجد إجابة شافية حتى اليوم
لماذا لم تنتهِ المعسكرات بانتهاء الحرب؟
لماذا ظل بعضها قائماً حتى بعد توقيع اتفاقيات السلام؟
وهل تحولت بعض هذه المعسكرات من مأوى مؤقت للنازحين إلى جزء من المعادلة السياسية والعسكرية؟.

ولماذا بقيت تشكيلات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية القومية رغم مرور سنوات على اتفاقيات السلام؟
هل السبب غياب الثقة؟.

أم أن اتفاقيات السلام نفسها لم تكن كافية لمعالجة جذور الأزمة؟
أم أن السلاح أصبح وسيلة لحجز المقاعد السياسية وأصبحت القوة العسكرية بديلا عن التفويض الشعبي والانتخابات؟
هذه أسئلة لا ينبغي أن نتردد في طرحها
فالسلام الحقيقي لا يعني أن تتوقف البنادق فقط وإنما يعني أن تتوقف أسباب الحرب أيضا.
ولا يمكن أن يستقيم السودان وفيه جيوش متعددة ومراكز قوة متعددة ومرجعيات عسكرية متعددة.

لقد كشفت حرب أبريل شيئا مهما للغاية أن الدولة التي تتعدد فيها مراكز السلاح تصبح الدولة نفسها رهينة لتوازنات القوة
وقد ظل البعض يتحدث عن «توازن القوى» وكأنه ضمانة للاستقرار لكن أي توازن هذا الذي جعل السودانيين يدفعون ثمنه أرواحا وبيوتا ومدنا؟.

وأي توازن هذا الذي جعل المواطن لا يعرف من يحميه ومن يهدد أمنه؟
الشعب السوداني اليوم ليس هو الشعب الذي كان يخشى مجرد سماع صوت البندقية.

لقد عرف القرنوڤ والرباعي والثلاثي والمسيرات والمدافع وسمع أصوات الرصاص فوق رؤوسه وشاهد الموت والنزوح والدمار بأم عينيه
لقداستوعب الدرس وقوية الشكيمة فالمرحلة القادمة لا تحتمل إعادة إنتاج المعادلة القديمة قوة مقابل قوة وسلاح مقابل سلاح واتفاقية جديدة تؤجل الأزمة إلى حرب قادمة.

السودان يحتاج إلى قاعدة واحدة لا تحتمل التأويل
لا جيشين في دولة واحدة ولا يمكن بناء دولة حديثة بجيوش متعددة ولا يمكن حماية الديمقراطية بقوات مسلحة تتبع للأشخاص أو التنظيمات ولا يمكن تحقيق السلام بينما تظل أدوات الحرب قائمة نريد جيشا وطنيا واحدا كما نريد شعبا واحدا لا تفرقه الجهوية ولا تستقطبه البندقية.

نريد سلاما لا تحرسه المليشيات وإنما يحرسه القانون.
لقد دفع السودان ثمناً باهظا وأصبح من الظلم أن نترك للأجيال القادمة ما ورثناه من حروب واتفاقيات مؤجلة وأسلحة متعددة
آن الأوان أن نغلق باب الحرب على ان نتركه مواربا
جيش واحد.. شعب واحد.. دولة موحدة بحكم فيدرالي.

كسرة.
هل سيتم تفكيك معسكرات كلمة وغيرها بعد تحرير نيالا والفاشر مباشرة كما تم في بقية الولايات بعد تحرريرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى