حاطب ليل.. د.عبد اللطيف البوني يكتب: ونحن الهم طوانا

(1)
عادي أن يغني الإنسان لنفسه بما يعلق في ذهنه من كلمات الأغاني… قد تكون الأغنية التي يترنم بها لها وقع خاص في نفسه، تذكره بشيء أو بيوم أو بإنسان حبيب إلى النفس، أو قد يكون إعجابًا بكلمات الأغنية أو لحنها أو أدائها… يعني مجرد طرب.
وأحيانًا يجد الواحد نفسه (معلقًا) في أغنية دون أن يشعر، بمعنى أنها لا تفارق خاطره أو حتى لسانه دون قصد منه. وفي مثل هذه الحالة يقول علماء النفس: ليس هناك خاطرة أو قول أو فعل يأتي من فراغ، إنما هناك بواعث حقيقية قد يجهلها الإنسان، ولكنها حتمًا موجودة.
فمثلًا أنا هذه الأيام وجدت نفسي معلقًا في أغنية «الوصية» للشاعر إسماعيل، والفنان محمد وردي، والملحن برعي محمد دفع الله…
تحديدًا المقطع الذي يقول: «كل الناس تغني… ونحن الهم طوانا».
فقمت بعصف ذهني داخلي، لمعرفة سبب ترنمي الدائم بهذا المقطع، ومنذ عدة أسابيع، فوصلت لعدة استنتاجات ذاتية وموضوعية، وقمت بعدة مفاضلات بينها، فوجدت الموضوعي مرجحًا بالذاتي… بمعنى أن الحالة العامة في بلادنا هي المؤثر الأساسي.
فنحن معشر السودانيين الذين يطوينا الهم… ولكن السؤال: هل كل العالم حولنا يغني؟ تحديدًا جيراننا، هل هم سعداء؟.
قد يقول قائل إن الحال من بعضه… ولكن علينا أن نعترف بأننا نحن الأسوأ؛ لأننا في حالة حرب، يقتل بعضنا البعض، وفي حالة انعدام أمن، وفي حالة فوضى وتخبط سياسي… هذا بالإضافة للفقر والأوجاع السائدة في كل الإقليم… فإذن الشغلانة نسبية.
(2)
إن جئنا للحق، نحن لسنا بخير منذ أمد أمد بعيد. لا أقول منذ الاستقلال… فقبل الاستقلال كان هناك استقرار ظاهري، كان هناك أمن مفروض بقوة الحديد والنار التي مارسها المستعمر.
كان لدينا قوم مرفهون وآخرون بحبوحة، ولكن في نفس الوقت لدينا قسط كبير لا يعرفون الرفاهية، ولكن لا يشعرون بفقدها؛ لأنهم أصلًا لم يذوقوا لها طعمًا… يعني ممكن نقول كسودانيين كلنا كنا نغني زي الآخرين؛ لأنه حتى المحروم منا لا يدري أنه محروم.
بعد الاستعمار انفجرت كل السياسات الخبيثة التي مارسها المستعمر في وجه الحكام الوطنيين… من تنمية غير متوازنة، ومن سياسة فرق تسد، ومن صراع على السلطة.
(3)
ثم جاء عدوان منتصف أبريل ٢٠٢٣ كأسوأ كابوس عرفه السودان الحديث منذ نشأته في ١٨٢١ مع غزوة محمد علي باشا.
نعم، الدفتردار قتل وفتر… والمهدية ما قصرت… وكتشنر شغّل (المكسيم) في كرري… الحرب الأهلية في الجنوب التي انتهت بانفصاله… ثم مجازر دارفور الجنجويدية… كلها كانت قيدومة للعدوان الأخير، والذي نعيش في أتونه الآن، وتنتظرنا عقابيله غدًا، هذا إذا انتهى العدوان… وفي السودان باقٍ…
شفتوا نحن الهم طاوينا كيف؟.
(4)
جيراننا في جنوب السودان وتشاد يبيعون ويشترون فينا… بذلك يمكن وصفهم بأنهم يغنون.
في إثيوبيا كانوا يغنون… ثم طواهم الهم مثلنا… قد يغنون الآن بعد استعادة ميكيلي…
في أفريقيا الوسطى يعيشون في تقاطعات استخباراتية عالمية، وهاك يا معادن… لذلك يغنون.
ليبيا، رغم الانقسام الذي أصبح أمرًا واقعًا، إلا أن بترولهم العالي الجودة، القريب من السوق الأوروبية، المرتفع الثمن، جعلهم يغنون.
إريتريا، رغم الحالة العالمثالثية الصعبة، إلا أن الله حباها برئيس راكز، وفر لها الأمن الذي تعوزه كل المنطقة تقريبًا… لذلك يغنون.
مصر، دولة المؤسسات الراسخة، تتقدم بثبات في كافة الصعد، وبعين مبصرة تجاه مصالحها، لذلك يغنون.
أما نحن، رغم تقدم قواتنا المسلحة في عملية الاسترداد… فكردفان لم يبقَ منها إلا القليل… إلا أن العدو حالف ما يخلينا.
لذلك لم يبقَ لنا إلا أن نغني مع وردي:
«كل الناس تغني… ونحن الهم طوانا».
ولكن إلى أن يأتي اليوم الذي نطوي فيه الهم… «لن نتراجع… ولن نضيق… ولن نيأس»… على مقولة تشرشل.
عزيزي القارئ، قرب أضانك جاي واسمعني كويس: تشرشل دا محتاج لجكة، لا بل جكات… جكة للجنيه السوداني، جكة للجازولين، جكة للذهب، جكة للتجنيب، جكة لصفافير الطريق، جكات للفساد السافر، جكات للفساد المقنن…
مجمل هذه الجكات هي التي تبعدنا من الهم الطوانا…
ويلا جكوا كلكم….
وأخيرًا، عزيزي القارئ، هكذا حال الدنيا… يوم مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدا جواز سفر، ويوم مع الهموم الما بتعرف ليها رحمة… ولا في إيدا ملاح قرع…

