من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: عندما يبرم جنرال القضارف شاربيه!

بعيداً عن المجاملات، وبعيداً عن صوت دلوكة التطبيل الذي يجعل كل شيء عظيماً حتى وإن لم يكن كذلك، فإن الاقتراب من الحقيقة يقتضي أن نقول إن ولاية القضارف أصبحت واحدة من أكثر الولايات التي يمكن أن تُرى فيها ملامح التنمية والحركة والإنجاز، مقارنة بالولايات الآمنة التي لم تمسها نار الحرب إلا نزوحاً إليها واستقبالاً لأعداد كبيرة من أهلنا الفارين من جحيم المعارك.
والحق يقال إن القضارف اليوم ليست هي القضارف التي كانت بالأمس، وهذا التغيير لا يحتاج إلى مكبر صوت حتى يسمعه الناس، ولا يراه أحد ، فالمشهد نفسه يتحدث، وراء هذه الحركة رجل يبدو أنه يعرف تماماً ماذا يريد من ولايته، وكيف يريد لجهازه التنفيذي أن يعمل، ومتى يقول نعم ومتى يقول لا، ومتى يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ذلك الرجل هو والي القضارف الجنرال الفريق الركن محمد أحمد حسن، الذي يبدو أنه لا يعمل بعقلية الموظف الذي ينتظر نهاية اليوم، وإنما بعقلية القائد الذي يعتبر الولاية مسؤولية ثقيلة على كتفيه، ومن يعرف الجنرال عن قرب يدرك أن العمل معه يحتاج إلى نشط الفكرة، ونشط الحركة، وسرعة الاستجابة، ودقة التنفيذ، وأن من لا يستطيع أن يضبط أمبير سرعته مع سرعة الوالي وحسمه، ربما يجد نفسه خارج الملعب.
أكثر ما يحسب لهذا الرجل أنه لم يجعل جهازه التنفيذي نادياً للمجاملات، ولا مجلساً لأصحابي وصاحبك، ولا ساحة للموازنات الجهوية التي أفسدت كثيراً من الإدارات، بل ظل ينظر إلى الأداء بعين الفاحص، ويقيّم رجاله على أساس ما يقدمونه للولاية، ولذلك لم يتردد في استبدال من يرى أن أداءه دون مستوى المرحلة بمن يعتقد أنه أكثر قدرة على العطاء، وهذه في حد ذاتها شجاعة إدارية لا تتوفر لكل مسؤول.
القضارف اليوم تتحرك، وجنرالها لا يبدو أنه يريد لهذه الحركة أن تكون موسمية أو مرتبطة بصورة إعلامية فحسب ، خذوا ملف النظافة مثالاً، فقد أصبحت الولاية تنظر إلى عامل النظافة باعتباره جزءاً من صناعة المشهد الحضاري، وليس مجرد شخص يحمل مكنسة في شارع ، تكريم هؤلاء والاهتمام بهم يعكس فهماً إدارياً مهماً: أن التنمية ليست طرقاً ومباني فقط، وإنما إنسان وبيئة ونظام ومظهر عام يليق بالمواطن.
وما يثير الاهتمام أكثر أن القضية لم تتوقف عند الخدمات اليومية، فقد اطلعت على تقرير يتناول الوضع الصناعي في الولاية، ووجدت أن هناك تفكيراً يتجاوز الصورة التقليدية للقضارف باعتبارها ولاية زراعية فقط، هناك بشريات في الأفق نحو نشاط صناعي أكبر، وربما مدينة صناعية كبرى يمكن أن تغير كثيراً من شكل الاقتصاد الولائي إذا وجدت طريقها إلى التنفيذ بالصورة التي يُخطط لها.
وهنا تحديداً تظهر شخصية( الجنرال ابوشنب)! فهو لا يريد للقضارف أن تكون مجرد مخزن للمنتجات الزراعية، وإنما يريد أن تتحول الزراعة إلى بوابة لصناعة تضيف القيمة وتخلق فرص العمل وتحرك الأسواق وتفتح أبواباً جديدة أمام الاستثمار ،هذه نقلة في التفكير من ولاية تنتج إلى ولاية تنتج وتصنع وتستثمر في إنتاجها.
الجهاز التنفيذي فيها ، لكل مسؤول فيه قصة أداء يمكن أن تُكتب في كتاب، ولو حاولت أن أختزل كل هذا الحراك في مقال …. فسأظلم كثيراً من الذين يعملون في صمت، وسأظلم الحقيقة نفسها، لكن ما يجمع هؤلاء جميعاً أن هناك سقفاً واضحاً للأداء وضعه الوالي، ومن أراد أن يعمل فعليه أن يعمل، ومن أراد أن يواكب فعليه أن يواكب.
أعتقد أن أكبر إنجاز للجنرال أنه استطاع أن ينقل القضارف من حالة كان يغلب عليها السكون والحركة المتقطعة إلى ولاية فيها حركة مستمرة، ومشروعات، ومبادرات، وملفات تُفتح تباعاً، وهذا النوع من الإدارة هو الذي يجعل الناس يشعرون بأن حكومتهم موجودة بينهم وليست مجرد أسماء على أوراق رسمية.
لست هنا بصدد صناعة بطل من ورق، ولا كتابة قصيدة مدح لوالي ولاية، وإنما أتحدث عن تجربة إدارية أرى آثارها أمامي، فالوالي الذي يضع يده على ملفات النظافة والخدمات والصناعة والإدارة، ويتابع التفاصيل، ويعيد ترتيب جهازه التنفيذي متى رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، هو والٍ يفهم أن الولاية لا تُدار من المكاتب المكيفة وحدها
وعندما يبرم جنرال القضارف شاربيه، يبدو أن الرسالة تصل إلى جهازه التنفيذي واضحة: لا مكان للكسل، ولا وقت للمجاملة، ولا مجال لأنصاف الحلول، وربما لهذا أصبحت القضارف تمشي بخطى مختلفة، رغم أن الظروف العامة ليست وردية، ورغم أن الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على كل ولايات السودان.
من منصتي أنظر…. حيث أرى… أن في القضارف كرمًا، وفي القضارف رجالاً، وفي القضارف قيادةً تعرف ماذا تريد، وفي القضارف مسكناً آمناً لمن لا مسكن له، وأرى أن واليها استطاع، بقدر كبير من الحسم والمتابعة، أن يجعل من ولايته رقماً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الولايات التي صنعت من الظروف الصعبة فرصة للحركة والعمل والإنجاز.
أقول هذا الكلام وأنا مسؤول عنه، ومن لم يصدقني فليذهب إلى القضارف، لا ليسمع مني، وإنما ليرى بعينيه، فبعض الحقائق لا تحتاج إلى شهود ولا إلى دلوكة تطبّل لها؛ يكفي أن تمشي في شوارعها، وتنظر إلى حركة مؤسساتها، وتقرأ تقاريرها، وتسأل عن مشروعاتها، ثم احكم.
أما أنا فسأظل أقولها كما أراها: القضارف ليست ولاية تتحرك فقط… القضارف ولاية تتحرك بعقل، والفضل بعد الله في ذلك لقيادة جعلت من الحسم منهجاً، ومن المتابعة عادة، ومن الإنجاز معياراً
…. ، إن جنرال القضارف…. حين يبرم شاربيه، فثمة أمرٍ ما في الطريق!..

