مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: أزمة الدولار (2)

إذا كانت أزمة الدولار مرآة لأزمة الدولة، فإن أولى خطوات العلاج تبدأ بتصحيح علاقتنا بها. فكثيراً ما تختلط معارضة النظام الحاكم أو الحكومة بمعارضة كيان الدولة ومصالح الأمة، وكأن إسقاط السلطة يبرر تعطيل المؤسسات أو إضعاف الاقتصاد أو دفع المجتمع نحو الانتحار الجماعي والفوضى. والحقيقة أن معارضة الحكومة حق سياسي، وحماية الدولة ومقدرات الشعب مسؤولية وطنية لا تسقط بالخلاف السياسي. ومن هنا، لا يكفي أن يستشعر المواطن وطأة الأزمة، بل ينبغي أن يصبح رأس الرمح في معالجتها، ضمن إرادة شعبية واعية تحول التضحيات المفروضة بالحرب إلى فرصة لبناء دولة أكثر كفاءة واعتماداً على مواردها.

وتبدأ المعالجة العاجلة بسياسات عملية لترشيد الطلب على العملات الأجنبية، دون المساس باحتياجات الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج الأساسية. ومن المقترحات أن تُسدَّد الرسوم الجمركية على السلع غير الضرورية المستوردة بتمويل ذاتي بالعملة الأجنبية، بذات عملة الاستيراد، وفق ضوابط واضحة تمنع التحايل وتحمي الأولويات الوطنية. كما يمكن لوزارة المالية منح امتيازات جمركية للمغتربين الذين يسددون رسوم سياراتهم وأغراضهم الأخرى بالعملات الأجنبية. ويشمل التقشف الوطني ترشيد استهلاك الوقود، وإعادة تنظيم ساعات العمل الحكومي لتقليل التنقلات، ودراسة توزيع أيام الحضور والعمل عن بُعد حيثما أمكن، مع مراعاة ظروف المدارس والجامعات التي يمكن أن تكون لثلاثة أيام في الاسبوع. فكل إنفاق يمكن تجنبه على السلع الكمالية والوقود المستورد يخفف الضغط على موارد النقد الأجنبي، شريطة ألا يتحول التقشف إلى عبء إضافي على محدودي الدخل.

لكن التدابير العاجلة لن تصنع تعافياً مستداماً ما لم تسندها استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى لزيادة الإنتاج والصادرات، وتشجيع تحويلات المغتربين، وإحلال المنتج الوطني محل الواردات الممكن الاستغناء عنها، واستعادة الثقة في المصارف والعملة الوطنية. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء محافظ وطنية للذهب في الولايات الآمنة، تتيح للمواطنين استثمار مدخراتهم الذهبية كضمانات تمويل مصرفي، وذلك إسهاماً في الحد من التهريب وتوجيه عائدات هذا المورد إلى الاقتصاد الوطني. فالذهب ليس مجرد سلعة تُستخرج وتُصدَّر، بل ثروة استراتيجية ينبغي أن يرتبط استغلالها بوعي المواطن وحقوق الأجيال القادمة، ولا سيما في سوق عالمية تتزايد فيها أهمية الذهب ملاذاً آمناً وسط اضطرابات الحروب والأزمات الدولية. والأهم أن تتحول هذه الإجراءات إلى تيار شعبي منظم، تشارك فيه الدولة والولايات والمحليات والقطاع الخاص والمغتربون والمواطنون، برقابة شفافة ومؤشرات معلنة للنتائج. عندها يمكن أن تصبح أزمة الدولار، رغم مآسي الحرب، حافزاً لإعادة بناء الدولة الحديثة وتعزيز الاعتماد على الموارد الوطنية، لا مجرد معركة جديدة بين الحكومة ومعارضيها.

الخرطوم 10 أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى