دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: المحاكمات السياسية

ليس أخطر على أي دولة من أن يتحول القانون من ضمانة لحماية الحقوق والحريات إلى أداة لتصفية الخصومات السياسية. فمنذ العهد الاستعماري، ورثت معظم الحكومات التي حكمت السودان نهج توظيف التشريعات الجنائية لقمع المعارضين، مستعينة أحياناً بوزراء عدل يتولون اقتراح النصوص التي تبرر هذا الاستغلال. والمفارقة أن ضحايا هذه التشريعات لم يكونوا، في معظم الأحيان، من القيادات السياسية أو أصحاب النفوذ، وإنما من المواطنين البسطاء الذين يدفعون ثمن صراعات لا يملكون أدواتها. والأخطر أن معارضة الحكومة كثيراً ما اختلطت بمعاداة الدولة، مع أن الدولة كيان وطني وقانوني أوسع من أي سلطة حاكمة، ونقد الحكومة لا يعني بالضرورة تقويض الدولة أو تهديد أمنها. فحماية الوطن تقتضي التمييز بين المعارضة المشروعة والأفعال التي تهدد وجوده وأمنه.
وفي هذا السياق، يثير تعديل المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991، بموجب المرسوم رقم (7) لسنة 2026، المنشور في الجريدة الرسمية، العدد (1982)، بتاريخ 19 أكتوبر 2026، تساؤلات جدية حول سلامة الصياغة التشريعية. فالنص الأصلي يجرّم إثارة الحرب ضد الدولة عسكرياً بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح والعتاد، أو الشروع في ذلك أو التحريض عليه أو تأييده. لكن إضافة عبارة «بما في ذلك النشر في الوسائط الإلكترونية والإعلامية» إلى عجز الفقرة (أ) تثير إشكالاً جوهرياً؛ إذ قد يُفهم منها أن مجرد النشر جريمة، حتى دون ارتباطه بأي من الأفعال المحددة في النص. وهكذا تتحول وسيلة التعبير إلى أساس محتمل للمساءلة عن جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، مع جواز مصادرة الأموال، دون وضوح كافٍ بشأن الصلة المطلوبة بين النشر والفعل المجرّم.
إن خطورة هذا التعديل لا تكمن فقط في اضطراب صياغته، وإنما في احتمال توسيع نطاق التجريم ليشمل التعبير السياسي والإعلامي، بما يخلط بين نقد الحكومة وإثارة الحرب ضد الدولة. ولا يجوز ترك معالجة هذا الخلل لتأويل المحاكم؛ فوضوح التجريم مسؤولية المشرّع، ولا سيما حين يتعلق الأمر بعقوبات بالغة الخطورة. وإذا كان المقصود مواجهة التحريض على الأعمال العدائية، فإن ذلك يستلزم نصاً دقيقاً يحدد الفعل المجرّم وشروط المسؤولية عنه. لذلك، فإن مقتضى المسؤولية القانونية والوطنية هو إلغاء هذا التعديل والاعتذار عنه للشعب السوداني من جانب كل من اقترحه وشارك في إصداره.
فالاعتراف بخطأ التشريع لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعززها؛ ودولة القانون هي التي تحمي الوطن دون أن تجعل القانون سيفاً مسلطاً على رقاب معارضي سياسات حكومة قد تكون الأكثر ضرراً.
الخرطوم 23 أكتوبر 2026

