مقالات

دولة القانون.. د.. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: إحياء سجلات الأراضي

لم تكن الحرب التي أشعلتها مليشيا الجنجويد حرباً على الإنسان وحده، بل كانت حرباً على الدولة نفسها. فإلى جانب القتل والنهب والتهجير، تعمدت المليشيا إحراق المؤسسات العامة وإتلاف الوثائق والسجلات التي تحفظ الحقوق وتصون الذاكرة الوطنية. ولم يكن استهداف سجلات الأراضي عملاً عشوائياً، وإنما اعتداءً على أحد أهم أعمدة الأمن القانوني، لأن هدم السجل هو هدم للثقة، وطمس للملكية، وفتح لباب نزاعات لا تنتهي. أما الشعارات التي رفعتها المليشيا عن الحرية والديمقراطية فلم تكن سوى غطاء زائف، إذ لا يمكن لمن يحرق المؤسسات أن يبني دولة، ولا لمن يعتدي على القانون أن يدّعي حمايته؛ ففاقد الشيء لا يعطيه.

وتحظى سجلات الأراضي في السودان بمكانة تاريخية راسخة، فقد عرفت البلاد تنظيم الأعراف والحقوق العقارية وتوثيقها قبل صدور قانون تسوية الأراضي وتسجيلها لسنة 1925، ثم تطورت منظومة التسجيل حتى أصبحت من أكثر مؤسسات الدولة استقراراً ومصداقية. ولأن الأرض كانت، وما تزال، وعاء الثروة الوطنية ومصدر الرزق الرئيس لغالبية السودانيين، فقد ارتبطت بها أهم المعاملات المدنية من بيع وشراء وإجارة ورهن وإرث، كما ارتبطت بها أكثر المنازعات تعقيداً، الأمر الذي جعل سلامة السجل العقاري أساساً لاستقرار المجتمع وحماية الاقتصاد.

إن إعادة بناء سجلات الأراضي التي أتت عليها النيران، ولا سيما في المناطق التاريخية بوسط الخرطوم وأم درمان غرب وكرري وغيرها من مناطق السودان المختلفة ينبغي أن تتم وفق رؤية وطنية موحدة، لا باجتهادات متفرقة لكل مكتب تسجيل. والأوفق تشكيل لجنة قومية عليا تضم بجانب المسجل العام للأراضي خبراء المساحة، والأرشفة، وتقنية المعلومات علاوة على ممثلين وخبرات عدلية من أساتذة قانون ومحامين ومستشارين ووكلاء نيابة، ليضعوا قواعد موحدة لإحياء السجلات والتحقق من الملكيات وإعادة تأسيس قاعدة بيانات عقارية حديثة وآمنة. فإعمار المدن يبدأ بإعمار مؤسساتها، وإحياء الاقتصاد يبدأ بإحياء الثقة، وإحياء الثقة يبدأ بإعادة الحقوق إلى أصحابها. لذلك فإن إعادة بناء سجل الأراضي ليست مجرد مهمة إدارية، بل هي معركة قانونية وأخلاقية لإعادة تأسيس دولة القانون، وترسيخ مبدأ أن الحقوق قد تتعثر بالحرب، لكنها لا تموت ما دامت الدولة قادرة على صونها واستردادها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى