د. أسامة عبداللطيف المشرف يكتب: كلنا في هذه الدنيا، رضينا أم أبينا، قدوة حسنة أو سيئة

دأبتُ على نشر كل معلومة أحسبها مفيدة لديننا ودنيانا وآخرتنا، واضعاً إياها في حالتي على الواتساب، ويكاد يكون ذلك بصورة شبه دائمة.
تفاجأت قبل يومين برسالة رقيقة من أحد أصدقاء ابني، الذي لم يتجاوز عمره الثمانية عشر عاماً، يسألني عن حالي وحال أسرتي، ثم يستفسر عن سبب غياب حالاتي على الواتساب، ويسترسل ليفيدني بأنه أصبح مدمناً على مشاهدة تلك الحالات، بل إنه يقرأها على أهل بيته وأصدقائه المقربين، ويستفيد منها كعظة وعبرة غاية الاستفادة، وأنها كانت سبباً في تغيير سلوكه إلى الأحسن.
وفي نهاية رسالته طالبني بأدب ألا أغيب عن نشر حالاتي وأحرمه من مشاهدة كل ما هو مفيد، ولسان حاله يقول:
“كن لي قدوة أكن لغيرك أسوة.”
نستخلص من رسالة هذا اليافع، بارك الله في عمره وحياته، عدة عبرٍ ومغازٍ، يمكن سرد بعضها فيما يلي:
▪️ لا يحسبنَّ أحدٌ أنه يعيش في هذه الدنيا لنفسه فقط، لأنه مهما كان سنك، ومهما ابتعدت، ستجد هنالك شخصاً متأثراً أو معجباً بك ويقلدك، سلباً كان ذلك أو إيجاباً، متأثراً بطريقة حديثك، أو لبسك، أو شخصيتك، أو حتى بمشاركاتك على وسائل التواصل الاجتماعي.
▪️ لذا يجب أن ننتبه، وأن نكون أكثر حرصاً في تصرفاتنا، ولنعتبر أنفسنا مربين أو معلمين أو أولياء أمور، ومسؤولين عن مستقبل أجيال، وليكن ديدننا أن نكون نواة إصلاح وأداة فاعلة في المجتمع، ولنسعَ دوماً إلى غرس وتعليم القيم التي تفيد الآخرين، لأن إصلاح الأمة يبدأ من الفرد.
▪️ نحن في هذه الحياة إما أن نكون قدوة أو عبرة، فلنكن القدوة الحسنة في كلامنا وتصرفاتنا وعاداتنا وفي كل شؤون حياتنا.
▪️ فلنكن أولاً قدوة لأبنائنا.
قال أحد السلف لمعلم أولاده:
“ليكن أول إصلاحك لبنيَّ إصلاحك لنفسك، فإن عيوبهم معقودة بعيبك، فالحسن عندهم ما فعلت، والقبيح ما تركت.”
ويقول علماء التربية في هذا الخصوص:
“مهما أكثرت على أبنائك النصائح، فلن يأخذوا منها إلا:
10% من قولك،
و90% من فعلك،
فكن قدوة بفعلك، ولا تكثر القول.”
فلنربِّ أنفسنا قبلهم، ولنحرص على أن يجدونا أمامهم في كل عمل خير؛ نحسن صلاتنا، ونمسك ألسنتنا عن سواقط الكلام، ولا تخالف أقوالنا أفعالنا.
فنحن كالثوب الأبيض، يظهر فيه أصغر السواد، فلنكن قليلي النصح كثيري العمل. ولو علم الآباء ما يلحقهم في قبورهم من عظيم الأجر أو الوزر، لتجملوا بحسن الصنيع في كل أمر. ولن يستقيم الظل ما دام العود أعوج. أصلح الله ظلنا وعودنا، وجعلنا خير قدوة.
صحيح أن قيمتنا قد نكتسبها من رأي الآخرين فينا، ومن سلوكنا، وحتى من مظهرنا في بعض الأحيان، ولكن في النهاية ليس المهم أن يمدحنا الناس، أو أن ننتظر الشكر في كل عمل خير نقوم به، بل علينا السعي الجاد إلى أن نكون قدوة صالحة يقتدي بها كل من عرفنا أو سمع بنا.
ولكن، قطعاً، يبقى الهدف الأسمى أن يعرفك الله، ويباهي بك ملائكته.

