مقالات

قبل أن تغادر.. م. خالد حسن إبراهيم يكتب: لماذا نطالب بدستور 2005 كوثيقة مرجعية للفترة الانتقالية بديلاً عن الوثيقة الدستورية؟

بعد كل فشل للوثيقة الدستورية 2019 وتعديلاتها، عاد السؤال: بأي دستور نحكم الفترة الانتقالية؟ المطلب المتزايد هو العودة لدستور 2005 الانتقالي بدل تعديل وثيقة مزقتها المحاصصات. لماذا؟.

أولاً: دستور 2005 وُلد من توافق وطني حقيقي.. لا من محاصصة
1- اتفاق نيفاشا: دستور 2005 لم يكتبه حزب واحد. هو نتاج اتفاقية السلام الشامل بين الحكومة والحركة الشعبية. طرفي الحرب الأساسية جلسوا واتفقوا.

2- إجماع نسبي: صوت عليه البرلمان بالإجماع تقريباً. شاركت فيه كل القوى السياسية وقتها عدا الرافضين للحرب. كان “عقد اجتماعي” لا “إعلان حزبي.”

3- الوثيقة الدستورية 2019: وُلدت في فندق بالخرطوم بين العسكر وقوى الحرية والتغيير فقط. أقصت 80% من أهل السودان: الإدارات الأهلية، الحركات المسلحة غير الموقعة، التيارات الإسلامية، الشباب المستقل.
4- فاقد الشرعية التمثيلية: فاقد الشيء لا يعطيه. وثيقة كتبها طرفان متنازعان لا يمكنها أن تحكم شعباً كاملاً.
ثانياً: دستور 2005 فيه خبرة حكم.. والوثيقة فيها خبرة هدم
1- دستور جربناه 5 سنوات: من 2005 لـ 2010 حكم السودان بدستور 2005. رغم عيوبه، حصل استقرار نسبي، انتظمت عائدات البترول، رجع المغتربون، صارت أول انتخابات 2010.

2- مواد قابلة للتطبيق: دستور 2005 كتبه قانونيون ودستوريون. مواده واضحة: صلاحيات الرئيس، مجلس الوزراء، البرلمان، القضاء، الولايات. ليس إنشاءً إنشائياً.

3- الوثيقة الدستورية غامضة ومطاطة: عبارات “أهداف الثورة”، “الشراكة”، “الانتقال الديمقراطي” بدون آليات. كل طرف يفسرها على هواه. لذلك اختلفنا عليها كل 6 شهور.

4- تعديل كل سنة: الوثيقة تعدلت 3 مرات في سنتين. دستور يتعدل كل ما اختلف طرفين هو دستور فاشل. دستور 2005 صمد 5 سنوات بدون تعديل جوهري.

ثالثاً: دستور 2005 يعالج أزمة السودان الحقيقية: الحرب والسلام
1- بند السلام جوهره: 70% من دستور 2005 كان عن “كيف نحكم السودان بعد الحرب”. فيه بروتوكولات دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان، أبيي، المشورة الشعبية.

2- نظام الحكم اللامركزي: أقر “الحكم الفيدرالي” و”الحكم الذاتي” للأقاليم المتأثرة بالحرب. دا الحل الوحيد لمشكلة الهامش والمركز.

3- الوثيقة تجاهلت السلام: وثيقة 2019 كتبت قبل جوبا. ما فيها ولا مادة عن الحركات المسلحة. لذلك لما وقعوا جوبا 2020 اضطروا “يلحقوها” بالوثيقة تعديل. رقعة فوق رقعة.
4- نحن اليوم في نفس المربع: حرب + حركات مسلحة + أقاليم تطلب حكم ذاتي. دستور 2005 جاهز يعالج هذا. الوثيقة صفر في ملف السلام.

رابعاً: دستور 2005 يحفظ هوية السودان وتوازنه
1- المصادر والمرجعيات واضحة: مادة 5 قالت: “الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، مع مراعاة التعدد الديني”. حل وسط تاريخي أرضى الشمال والجنوب وقتها.

2- الهوية غير مطروحة للمزايدة: الوثيقة 2019 حذفت “الشريعة” وفتحت باب الصراع الأيديولوجي من جديد: علماني ضد إسلامي. وهذا وقود الحرب الأهلية.

3- المواطنة أساس الحقوق: دستور 2005 قال “المواطنة أساس الحقوق والواجبات”. لم يقسم السودانيين لـ”ثوار” و”فلول” و”كيزان”. الكل مواطن.

4- الوثيقة أسست للاستقطاب: بدأت بـ”باسم شهداء الثورة”. طيب والشهداء الآخرين؟ أسست لدولة إقصائية من اليوم الأول.

خامساً: دستور 2005 يعطي الفترة الانتقالية ملامح واضحة
1- مدة محددة ومهام محددة: قال “6 سنوات انتقالية” مهمتها: السلام، الدستور الدائم، الانتخابات. ما قال “فترة مفتوحة حسب المزاج”.

2- مؤسسات واضحة: رئيس + نائبان + مجلس وزراء قومي + مجلس وزراء جنوب + برلمان قومي + برلمان جنوب. ما فيه “مجلس شركاء” اختراع جديد.

3- فصل السلطات حقيقي: قضاء مستقل، برلمان يراقب، رئيس يحكم. الوثيقة خلطت السلطات في “مجلس السيادة” وصنعت صراع عسكري-مدني مستمر.

4- لا وصاية لحزب: دستور 2005 لم يسمي حزب ليحكم. قال “حكومة قومية تشارك فيها كل القوى الموقعة”. الوثيقة منحت قحت وصاية على الدولة 4 سنوات.

سادساً: العودة لدستور 2005 ليست عودة للإنقاذ
هذا أهم رد على المشككين:
1- نسقط الأشخاص لا الدساتير: نسقط البشير، الإنقاذ لكن لا نسقط التجربة الدستورية الناجحة الوحيدة بعد الاستقلال. أمريكا لم تحرق دستور 1787 بعد حرب الاستقلال.

2- نعدله لا نلغيه: نرجع لدستور 2005 ونحذف منه ما يتعلق بالجنوب، ونضيف بند الحركات المسلحة الحالية، ونعدل مواد الحريات لتكون أوسع. “ترميم” لا “هدم”.
3- البديل هو الفوضى: كل يوم بدون دستور متفق عليه هو يوم حرب. دستور 2005 هو أقل كلفة وأسرع طريق للاستقرار.
الوثيقة الدستورية 2019 فشلت لأنها:
1- كتبتها نخبة لا تمثل السودان
2- تجاهلت ملف السلام والحرب
3- أسست للاستقطاب الأيديولوجي.
4- لا تصلح للحكم ولا للانتقال
دستور 2005 نجح لأنه:
1- كتبته أطراف الحرب نفسها.
2- عالج ملف السلام بعمق.
3- قدم توازن في الهوية والمواطنة.
4- جربناه وإحتكمنا إليه 5 سنوات
كما قال الكواكبي: “خير الدساتير ما اتفق عليه الخصوم”. وخصوم الأمس في نيفاشا اتفقوا على 2005. فلنرجع إليه، نعدله، ونبني عليه دولتنا.لا نقول أنه مبرأ من كل عيب ولكنه ما ارتضته الغالبية.
الفترة الانتقالية تحتاج دستور “أمان وطن” لا دستور “تمكين حزب”. و 2005 هو دستور الأمان الحقيقي للسودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى