مقالات

قبل أن تغادر..  م.خالد حسن إبراهيم يكتب: هل القيادة السياسية تبارك المبادرات الشعبية أم تتراجع للحزبية وسنوات التيه؟

من بين وسط ضجيج الصراع السياسي، ارتفع صوت آخر أكثر هدوءاً وأعمق أثرا.

صوت خبراء، أكاديميين، مهندسين، أطباء، وشباب لم تتلوث أيديهم بلعبة الكراسي.

قدموا تصورات وخططاً بعيداً عن الحزبية الضيقة، عنوانها: “السودان أولاً.”

مبادرات مثل “التكتل الوطني الكبير” و”السودان أولاً” وغيرها، ليست أحزاباً جديدة.

هي نداء استغاثة من عقول وطنية تقول: كفى تشرذماً، هلموا إلى مشروع جامع إنه صوت الشارع السياسي إنه صوت الحكمة الوطنية التي خرجت من بين ركام الحرب والنزوح والتشتت ودمار البلاد من أحزاب الخراب.

لماذا تلقى هذه المبادرات قبولاً شعبياً عالياً؟.

لأنها خاطبت الوجع الحقيقي للمواطن: الكهرباء، الخبز، الدواء، الأمن.التعليم ، الصحة ، السكن ،المواصلات

ولم تخاطب شهوة السلطة وتقسيم المناصب.

لأنها جمعت تحت مظلة “الهوية السودانية” بدل “الانتماء الحزبي”

الشعب جرب منذ استقلال البلاد كل ألوان الطيف الحزبي ولم يزده الصراع الحزبي إلا فقراً وضياعاً وحروباً .

فصار مستعداً أن يجرب أي شيء اسمه “وطن” حتى لو بلا لون سياسي.

القبول الشعبي مضمون، لأن المبادرة التي تقول “سنصلح كهرباء أم درمان” أقوى من التي تقول “سنحاكم خصومنا.  ”

الناس تعبت من خطاب “نحن وهم” وتبحث عن خطاب “نحن كلنا.”

فرص النجاح: الإمكانيات موجودة

بلادنا لا تنقصها العقول ولا الخبرات. جامعاتنا تخرج آلاف المهندسين والأطباء والاقتصاديين والزراعيين والخبراء والعلماء سنوياً.

المغتربون السودانيون يديرون بنوكاً وشركات في الخليج وأوروبا، وهم على استعداد للعودة والمساهمة في النهوض بمشروع وطني.

الموارد موجودة: ذهب، معادن ، زراعة، مياه، شمس، ثروة حيوانية وثروات طبيعية عديدة وموقع استراتيجي.

ينقصنا فقط “الإدارة” و “الإرادة الجامعة.”

وهذه المبادرات تقدم الاثنين معاً: خطة علمية و روح وطنية .

نجاحها لا يحتاج معجزة، يحتاج فقط بيئة آمنة وقرار سياسي شجاع.

العقبة الكبرى: استعداد القيادة

وهنا يأتي السؤال الجوهري: هل من بيده القرار مستعد أن يقود وأن يشارك لا أن يحتكر؟

تجربتنا الماضية  تقول إن السلطة تخاف من أي جسم مستقل ناجح.

لأن نجاحه يفضح فشلها، ولأن شعبيته تسحب الشرعية منها.

فالتاريخ يقول إن الرد الحكومي يكون بأحد ثلاثة:

الاحتواء: ضم المبادرة وتفريغها من محتواها وتعيين منسق حزبي عليها.

التجاهل: تركها تموت ببطء تحت وطأة البيروقراطية وعدم التمويل.

التخوين: اتهام القائمين عليها بأنهم “عملاء” أو “أصحاب أجندة خارجية.  ”

القليل جداً من الحكومات اختارت الطريق الرابع: ” التبني والدعم الصادق.”

ما هو دور القيادة تجاه هذه المبادرات؟

مطلوب شجاعة نادرة وموقف تأريخي: شجاعة الاعتراف بأن “الحل ليس عندي وحدي”.

وعلى الأحزاب أن تترك الساحة لغيرها وأن تتراجع خطوة للخلف في المشهد، حتى يتقدم الوطن خطوات للأمام.

مطلوب ثلاثة قرارات واضحة:

أولاً: الاعتراف: اعتراف رسمي أن هذه المبادرات الوطنية شريك أصيل لا خصم سياسي.

ثانياً: الشراكة: إنشاء مجلس أعلى للبناء الوطني يضم الخبراء الوطنيين بعيداً عن المحاصصة الحزبية.

ثالثاً: الحماية: حماية قانونية وإعلامية للمبادرات من اختطاف الأحزاب ومن مافيا الفساد.

الدرس من العالم

رواندا بعد الإبادة الجماعية لم تنهض بعبقرية الرئيس كاغامي وحده.

نهضت بـ “الأوموغاندا” – اجتماع وطني جامع كل سنة يضع أولويات البلد.

ماليزيا نهضت بـ “ميثاق 2020” الذي وضعته نخب البلد وتبنته الدولة.

سر النهضة ليس عبقرية فرد، بل “عقد اجتماعي جديد” بين الحاكم والمحكوم.

الخطر في تجاهل المبادرات

إذا تجاهلت القيادة هذه الأصوات، فهي لا تخسر المبادرة فقط.

تخسر آخر فرصة لاستعادة الثقة مع الشعب.

وتدفع الشباب اليائس إلى أحد خيارين: الهجرة، أو التطرف

وتدفع بالخبراء والعلماء الى الإغتراب وإعتزال الوطن .

ويخسر الوطن أهم وأغلى مورد لديه (الكفاءات الوطنية المخلصة).

ويتضح للعالم أن الأزمة في السودان ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة وإرادة.

رسالة مباشرة لصناع القرار

أيها السادة في القيادة، هذه المبادرات ليست منافساً لكم.

هي طوق النجاة لكم وللسفينة التي تقودونها.

تبنيكم لها سيكتب أسماءكم في التاريخ بحروف من نور: “هؤلاء بناة السودان”.

وتجاهلكم لها سيكتب أسماءكم بحروف من نار: “هؤلاء فوتوا على السودان الفرصة الأخيرة”.

الكرسي زائل، والتاريخ باقٍ. فاختاروا أي سجل تريدون.

الفرصة التاريخية الآن بين أيديكم.

شعب مستعد للبناء، وخبراء مستعدون للتخطيط، وشباب مستعد للتضحية.

ينقصكم فقط أن تقولوا كلمة واحدة: “نعم، السودان أولاً”.

قولوا نعم للخبرة بدل الولاء، قولوا نعم للكفاءة بدل المحاصصة.

قولوا نعم لمشروع وطن يعيش فيه ابن الشمال وابن دارفور وابن النيل الأزرق بكرامة واحدة.

عندها فقط سيعود التاجر للبيع، والمواطن للعمل، والجنيه للصعود.

وعندها فقط سنفهم أن القيادة الحقيقية ليست من يصدر الأوامر،  بل من يصغي للحكمة، ويتبنى الحل، ويضع الوطن فوق الأنا.

اللهم سدد خطى من بيده القرار، ونور بصيرته، واجعله سبباً في عافية هذا الوطن الجريح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى