كرّ البلقاء .. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: عندنا جيش

إنه قبل أكثر من سبعمائة ألف عام، وجد الإنسان في السودان بشحمه ولحمه وسحنته وقلبه، ثم توالد وتكاثر على أكثر من (٥٧٢) قبيلة، تفرعت منها عشائر وبطون لا حصر لها.
في منتصف القرن الرابع الميلادي، دخلت النصرانية إلى السودان، وصارت هي الدين الرسمي لممالك النوبة (نوباتيا – المقرة – علوة)، وفي القرن السابع الميلادي، عام ٦٥١م، توغلت الجيوش الإسلامية في بلاد النوبة.
وقد شهد السودان قيام ممالك إسلامية.
هذه المقدمة ضرورية جداً لمعرفة عمق الدولة السودانية، بنسيجها القوي متعدد الألوان، الزاهي، المحبوك الخيوط.
شعب مسلم العقيدة، منفتح، مسالم، ودود، مضياف، عزيز، لا يرضى الذل والهوان.
ولم يكن السودان في يوم من الأيام بعيداً عن الأطماع العالمية والدول العظمى التي تود أن تكون لها إمبراطورية ضخمة مترامية الأطراف، وتحلم بالسيطرة على المناطق الاستراتيجية ذات الموارد الطبيعية المتعددة، مثل السودان الذي يطل على واجهة بحرية طولها ٦٤٤ كلم على البحر الأحمر.
إن ما حدث في السودان – كما ذكرت الدراسة الأمريكية – «يتجاوز الثورات الشعبية أو الانقلابات العسكرية، بل هو مشروع سياسي استراتيجي مدروس قائم على تفكيك هياكل الدولة القائمة تفكيكاً كاملاً، ثم إعادة تشكيلها وبنائها من جديد وفق عقيدة تنظيمية منغلقة على نفسها».
وكان القصد «اختطاف الدولة وتفكيك مؤسساتها من الداخل إلى أداة طيعة بيد تنظيم موازٍ».
وكل ذلك، للأسف، تم «تحت عباءة الشرعية الشعبية والرسمية، وباستخدام أدوات الدولة نفسها ضدها»، و«تحويل الوطن إلى غنيمة باردة في يد عصابة حزبية».
وأدى ذلك إلى قيام «دولة شكلية بلا سيادة، ودولة موازية بلا رقيب ولا حسيب، وتحكمها السفارات».
وللأسف، كاد أن ينجح هذا النموذج المصنوع، لولا لطف الله بشعب السودان الطيب وتماسك جيشه العريق.
كان المخدِّم صانع هذا النموذج يعلم أن السبيل إلى الاكتساح الشامل للدولة هو القضاء على الجيش، فلقنت «معليش معليش ما عدنا جيش»، وروّجت دعاية أن الجيش هو جيش الحركة الإسلامية.
لقد كانت الجماعة الوظيفية مستعجلة جداً في قطف ثمار خداع الشعب قبل أن يكتشف حقيقتهم، مما عجّل بنهايتهم.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾
صدق الله العظيم.
جيش واحد، شعب واحد

