مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: «أختونا».. هل يسقط البرهان أم يسقط السودان في المجهول؟

حين يكون الوطن غارقاً في الحرب، وملايين المواطنين بين نازح ولاجئ وجائع، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يكفي رحيل البرهان لحل أزمة السودان، أم أن البلاد تحتاج إلى مراجعة شاملة للحكم، ومحاسبة واضحة للمسؤولين، ورؤية تنقذها من المجهول؟ بينما يبحث السودانيون عن الأمان ولقمة العيش، تتصاعد أصوات تطالب برحيل رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تحت شعار «أختونا». لكن مصير الوطن لا ينبغي أن يُختزل في بقاء شخص أو رحيله، بل في قدرة أي قيادة على حماية الدولة والاستجابة لتطلعات شعبها.

بالأمس، دوّى شعار «تسقط بس» حتى سقط نظام عمر البشير في أبريل 2019، واليوم يعود المشهد بشعار جديد، في ظروف أشد تعقيداً. فالحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع خلّفت دماراً واسعاً وأزمة إنسانية واقتصادية قاسية، وأصبحت حماية المدنيين واستعادة الاستقرار من أكبر تحديات المرحلة.

لا أحد ينكر أن الضائقة الاقتصادية أرهقت السودانيين، لكن الاعتراف بظروف الحرب لا يعني إعفاء السلطة من مسؤولياتها. فالبرهان، بحكم موقعه على رأس مجلس السيادة وقيادته للقوات المسلحة، مسؤول عن تقديم إجابات واضحة بشأن إدارة الدولة، وحماية المواطنين، وأداء المؤسسات، والخطوات العملية لتخفيف الأعباء المعيشية. ومن حق الشعب أن يعرف ما تحقق، وما أُخفق فيه، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق.

إن قيادة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة المعارك، بل أيضاً بقدرتها على حماية الناس وتخفيف معاناتهم. لذلك، فإن الدفاع عن القوات المسلحة لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع تلقائي عن كل قرار حكومي، كما أن تقدير التحديات العسكرية لا يلغي ضرورة مراجعة القرارات السياسية والاقتصادية، ومكافحة الفساد، وضمان وصول الخدمات والمساعدات إلى مستحقيها.

لقد واجه الجيش معارك واسعة في مواجهة قوات الدعم السريع، وظل مستقبل مؤسسات الدولة في قلب الصراع. غير أن هذا الواقع يفرض على القيادة تقديم رؤية معلنة لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وتوحيد القرار الوطني، ومنع تمدد الفوضى. فالصمود في الميدان مهم، لكن المطلوب أيضاً تحويله إلى أمن مستدام وسلام يعيدان للسودانيين حياتهم.

وأين تقف القوى السياسية من الانتهاكات التي شهدتها البلاد، ومن القتل والنهب والعنف الجنسي المنسوب إلى قوات الدعم السريع، ومن مأساة ملايين النازحين واللاجئين؟ إن هذه الجرائم تستوجب التحقيق المستقل والمحاسبة القانونية، ولا يجوز تجاهلها أو استغلال معاناة ضحاياها في الخصومات السياسية. وفي الوقت نفسه، فإن حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات واجب لا يستثني أي طرف.

أما الذين يطالبون برحيل البرهان، فمن حقهم طرح مطالبهم سلمياً، لكن من حق السودانيين أيضاً أن يسألوهم: من البديل؟ وما برنامجه لإنهاء الحرب وإصلاح الاقتصاد؟ وكيف سيضمن بقاء مؤسسات الدولة وحماية المواطنين؟ إن المطالبة بالتغيير تكتسب قيمتها بوضوح المشروع الذي يليها، لا بمجرد رفع الشعارات.

وفي المقابل، على البرهان والسلطة القائمة تقديم إجابات عملية، لا الاكتفاء بتذكير الناس بمخاطر الحرب. ما الخطة الاقتصادية لتخفيف الغلاء؟ كيف ستُحسَّن الخدمات الصحية والتعليمية؟ ما التدابير المتخذة لمكافحة الفساد ومحاسبة المقصرين؟ وما الجدول العملي للانتقال إلى حكم يستند إلى القانون والمشاركة السياسية؟ هذه أسئلة جوهرية لا ينبغي أن تُقابَل بالتخوين أو التأجيل المفتوح.

لقد أظهرت تجربة السودان بعد سقوط البشير أن تغيير رأس السلطة لا يضمن وحده الاستقرار أو الانتقال الديمقراطي. لكنها أظهرت كذلك أن غياب المؤسسات الفاعلة والتوافق السياسي والمساءلة يفتح الباب أمام أزمات جديدة. ولذلك، فإن الدرس ليس تحريم التغيير، ولا تقديس بقاء الحاكم، بل ضرورة بناء بديل مؤسسي واضح يمنع تكرار الفشل.

السودان ليس حقل تجارب، ومصير شعبه ليس ورقة للمقامرة السياسية! فمن يطالب برحيل البرهان عليه أن يقدم بديلاً واقعياً يحمي الدولة ويوقف الحرب، ومن يدافع عن بقائه عليه أن يثبت قدرته على تحسين حياة المواطنين، ويقبل بمساءلة جادة عن أداء السلطة وقراراتها. فلا الظروف الاستثنائية تلغي حقوق الناس، ولا المطالب المشروعة بالتغيير تعفي أصحابها من مسؤولية تقديم الحلول.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً من دمائهم وأمنهم وممتلكاتهم، ولم يعد مقبولاً اختزال مصلحة الوطن في معركة بين أنصار البقاء ودعاة الرحيل. فلا قداسة لكرسي الحكم، ولا إعفاء من المساءلة بسبب ظروف الحرب، ولا ضمانة لنجاح التغيير ما لم يستند إلى مشروع وطني واضح.

إن الحسم الذي يحتاجه السودان اليوم هو وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة الخدمات، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير والانتهاكات، وفتح الطريق أمام حكم رشيد يخضع للقانون وإرادة الشعب. أما شعار «أختونا»، فلا يكتمل معناه السياسي إلا بالإجابة عن السؤال: ماذا بعد؟ وبالمثل، فإن التمسك ببقاء القيادة لا يكتسب مبرره بمجرد رفض البديل، بل بما تقدمه من نتائج ملموسة للسودانيين.

السودان أولاً، والدولة أولاً، والشعب فوق الجميع؛ ومن لا يملك مشروعاً لإنقاذ الوطن، لا تكفيه القدرة على المطالبة بإسقاط الحاكم. وفي المقابل، من يتولى الحكم لا تكفيه شرعية المنصب أو ظروف الحرب، بل عليه أن يثبت جدارته بالعمل والإنجاز والمساءلة. فالمعيار النهائي ليس مَن يبقى ومَن يرحل، وإنما مَن يحمي السودان، ويصون كرامة شعبه، ويفتح أمامه طريق السلام والاستقرار والعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى