بالمنطق.. صلاح الدين عووضة يكتب: اسألني دبل!!

كانت تظاهرة حاشدة… وشخصي الضعيف وسط ذياك الحشد الهادر..
الضعيف جسداً وفكراً وقتذاك..
فلماذا كنت ضئيلاً وزملائي يبدون أكبر مني أجساماً وعقولاً؟… لست أدري..
كل الذي أعلمه أنني كنت أصرخ معهم..
كنت أصيح بملء حلقومي… ويملؤني الحماس (من صوف راسي لي كرعي)..
أصيح وأهتف معهم: لا أمريكا ولا دولاب..
ولم أقف مع نفسي لحظة واحدة لأسألها: وما علاقة الدولاب بهذه التظاهرة؟..
فقد كنت مندفعاً مع حشدٍ لم يقف هو ذاته لحظة واحدة..
أو اللحظات الوحيدة التي كان يقف فيها عندما تستقبلنا بعض النسوة بالمشروبات..
بجرادل الماء… والليمون… والكركدي..
وكنت أتجرّع كوب المشروب بلذةٍ تضاهي لذة إحساسي بأهميتي الشخصية..
إحساسي بأنني مناضلٌ ذو شأن..
مناضل من أجل ماذا؟… لا أدري… بمثلما لا أدري ما علاقة الدولاب بالنضال..
ومن بعد عرفت أن المقصود الدولار ؛ لا الدولاب..
هذه قصة الدولاب ؛ ونأتي الآن لقصة (دبُل)..
ففي الأيام تلك نفسها نُقل إلينا معلمٌ من عطبرة ما كنت أعرف اسمه..
وفي اليوم التالي سمعت عبارة الحصة (دبل)..
فدخل علينا ذاك القادم من عطبرة ؛ وكانت حصته طويلة… طويلة جداً..
فقلت لأهل البيت – حين رجعت – أن أستاذاً ثقيلاً اسمه دبل نُقل إلينا..
وكانت جارتنا منيرة حاضرة فضحكت ؛ وقالت (وما معاه دولاب وتسريحة؟)..
ثم علمت بعد ذلك أن كلمة دبل تعني حصتين في حصة ؛ أو حصة في حصتين..
وبعد أيام كان أستاذنا العطبراوي – الشيوعي – هذا حادينا في مظاهرة لا تسلني عن دوافعها ، وضد من – أو ماذا – كانت..
المهم أنها كانت طويلة… طويلة جدا ؛ في طول حصته الدبل تلك..
وظل هذا حالي في كل تظاهرة طلابية صرخت فيها ؛ لا أدري سببها…ولا سبب صراخي..
والتظاهرة الوحيدة التي شاركت فيها بوعي – وعن وعي – ثورة أبريل..
وعندما حاصرتنا – أنا ومجموعة من المتظاهرين – قوة شرطية اقتحمنا بوابة السكة الحديد وقد كنا بجوارها..
وفي مكتب طرفي – مفتوح الباب – (لبدت) خلف (دولاب) حديدي..
فكان نتاج تلكم المظاهرة التي أطاحت بنميري أن الفترة الحزبية أكملت – بالكاد – دور انتخابية واحدة ولم تمتد إلى أخرى (دبل)..
وآخر عهدي بالمظاهرات تظاهرة ديسمبر ضد البشير ؛ بيد أن مشاركتي هذه المرة كانت قلمية وليست جسدية ذات هتاف حلقومي..
وقبل بيان اللجنة الأمنية الذي نعى نظام الإنقاذ بيومين كنت بجوار دولاب داخل إحدى غرف جهاز الأمن..
وبعد فترة وجيزة أحرز رأس حربة فريق قحط – حمدوك – هدفا رائعا (دبل) كيك..
غير أنه كان هدفا عكسيا في مرمى الثورة..
وقد أكون أشرت هنا عرضا – وباختصار – لحكاية شعب مع ثوراته العديدة من حيث الصدمة تلو الصدمة..
ولكن ربما تسألني انت عن حكايتي مع الدواليب والأدبال في خضم هذه التظاهرات..
اسألني دبل !!.

