مقالات

 محمد عثمان الرضي يكتب: المدير العام لهيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني.. الميناء لا ينتظر

الميناء لا ينتظر. والسفن لا تنتظر. والاقتصاد لا ينتظر. فلماذا ينتظر ميناء بورتسودان؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه المدير العام لهيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني بعيداً عن المجاملات والحسابات الشخصية.

جيلاني، بحسب ما أُثير عن إجراءات اختياره، لم يصل إلى موقعه عبر محاصصة قبلية أو توازن سياسي، وإنما عبر التأهيل والخبرة والمنافسة. وهذه نقطة تُحسب له، لكنها في المقابل ترفع سقف المسؤولية: من يصل بالكفاءة يُحاسب بالإنجاز.

المشكلة اليوم ليست في الشهادة ولا في السيرة المهنية، وإنما في تحويلهما إلى إدارة حاضرة وقرار منتج. وإذا كانت المقابلات الأهلية والالتزامات الاجتماعية تستنزف جانباً كبيراً من وقت المدير العام، فالمسألة لا تعود شأناً اجتماعياً؛ لأن المؤسسة الاستراتيجية تحتاج مديراً متفرغاً لملفاتها الثقيلة.

جيلاني ابن المؤسسة وابن هذه الولاية، ولذلك كانت الآمال عليه كبيرة. كان المتوقع أن يعرف مكامن الخلل وأن يبدأ الإصلاح سريعاً. لكن معرفة المرض شيء، والقدرة على علاجه شيء آخر. والموانئ لا تُدار بالنوايا، وإنما بخطة وقرارات ونتائج.

بورتسودان تحتاج رؤية واضحة: تطوير الأرصفة والمعدات، تسريع المناولة، تحسين بيئة العمل، رفع الكفاءة التشغيلية، ومعالجة الاختناقات. والأهم أن يعرف العامل والمتعامل والمواطن: ماذا سيتغير؟ ومتى؟ وما الذي أُنجز؟ فالإدارة التي لا تُقاس نتائجها تتحول إلى إدارة يوم بيوم.

موانئ العالم تتطور باستمرار، بينما ما زال ميناء بورتسودان يواجه أسئلة تبدو أحياناً وكأنها من نقطة البداية. وفي عالم الموانئ، الجمود ليس استقراراً؛ بل تراجع بطيء.

ومن القرارات التي تستحق التوضيح ما أُثير بشأن إيقاف الباخرة «عُمان» التابعة لشركة كنزي للملاحة والعاملة بين جدة وسواكن. لا نحكم على صحة القرار ولا على أسبابه، لكن السؤال المهني مشروع: ما الأساس الفني والقانوني والإجرائي الذي استند إليه؟ وإذا كانت السفينة مرخصة من الجهات السعودية لنقل الركاب من جدة، فما موقف الجانب الآخر من العملية؟ الإجابة الواضحة تحمي القرار وتحمي المؤسسة.

وكذلك ما أُثير حول إيقاف أحد نواب المدير العام عن العمل على خلفية خلاف مع مدير إدارة. هنا لا مجال للأحكام المسبقة. الأصل أن تُفحص الواقعة وفق اللوائح، ويُسمع جميع الأطراف، ثم يصدر القرار. أما الإجراء الاحترازي، إن كان القانون يجيزه في حالة محددة، فيجب أن يكون مسبباً وواضحاً.

وتتردد معلومات عن طموح نائب المدير العام ليكون مديراً عاماً ويجلس في مقعد جيلاني. وهذه تظل معلومات متداولة لا نثبتها كحقيقة، ولا نملك دليلاً يربط بينها وبين قرار الإيقاف. لكن مجرد تداولها يجعل الشفافية أكثر ضرورة، حتى لا تتحول المؤسسة إلى ساحة لتفسير القرارات بالشائعات.

المؤهل يمنح المعرفة، والخبرة تمنح التراكم، لكن القرار المدروس هو الذي يصنع المدير. والقرار القوي ليس القرار المتعجل، كما أن التراجع ليس دائماً ضعفاً؛ القوة أن تعرف لماذا قررت، وأن تدافع عن قرارك بالحجة، وأن تصححه إذا ظهرت معلومات تستوجب التصحيح. أما تحويل الخطأ إلى عناد، فذلك يضعف المؤسسة لا المسؤول وحده.

لذلك، فإن تقييم المدير العام لهيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني لا ينبغي أن يكون عبر عدد الاجتماعات ولا كثرة الظهور، وإنما عبر ما حدث فعلياً في الأرصفة والمعدات والمناولة والخدمات وبيئة العمل. الميناء نفسه هو شهادة المسؤول، والسفن والعاملون والمتعاملون هم شهود الإنجاز.

النقد هنا ليس خصومة مع جيلاني، ولا حكماً مسبقاً عليه، وإنما مساءلة لموقع عام ومؤسسة لا تحتمل الانتظار. المطلوب شفافية في القرارات، سرعة في الإصلاح، وضوح في الرؤية، وانضباط في الإدارة. وإذا كانت هناك إنجازات، فلتظهر بالأرقام والنتائج. وإذا كانت هناك معوقات، فلتُطرح بوضوح.

وفي النهاية، ميناء بورتسودان أكبر من المدير العام ونائبه وأي خلاف إداري. إنه مرفق استراتيجي لا يحتمل أن تضيع طاقته في الهوامش. والمطلوب من المدير العام لهيئة الموانئ البحرية المهندس جيلاني محمد جيلاني ليس الدفاع عن مقعده، وإنما الدفاع عن المؤسسة بالعمل والقرار والنتيجة.

فالوقت لا يرحم. والميناء لا ينتظر. والسؤال الذي سيبقى ليس: كم بقي جيلاني في مقعد المدير العام؟ بل: ماذا تغيّر في ميناء بورتسودان عندما كان هو المدير العام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى