محمد عثمان الرضي يكتب: رشان أوشي.. عام في السجن أم عام في صناعة التغيير؟

ليست كل الأحكام القضائية نهاية للطريق، فبعضها قد يكون بداية لمسار جديد يحمل في طياته معاني أعمق من العقوبة ذاتها.
عندما صدر الحكم بسجن الصحفية رشان أوشي لمدة عام مع الغرامة المالية المقررة قانوناً، اعتقد كثيرون أن أبواب العزلة والانكسار قد فُتحت أمامها، لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً.
دخلت رشان أوشي إلى سجن النساء بمحلية بورتسودان وهي تحمل رؤية مغايرة لما يتوقعه الناس من شخص وجد نفسه خلف القضبان.
لم تنشغل بالشكوى أو التذمر أو استدعاء مشاعر المظلومية، بل انصرفت مباشرة إلى التفكير في كيفية تحويل التجربة إلى مساحة للعطاء والعمل الإنساني.
هناك أشخاص يصنعون الحدث، وهناك آخرون يصنعون الأثر، ويبدو أن رشان اختارت الطريق الثاني.
فمنذ أيامها الأولى داخل السجن بدأت تضع تصوراً متكاملاً لمبادرات تستهدف النزيلات من الجوانب النفسية والاجتماعية والإنسانية.
اللافت في الأمر أنها رفضت أن تعيش حياة مختلفة عن بقية السجينات.
لم تطلب معاملة خاصة، ولم تبحث عن امتيازات استثنائية، بل أصرت على أن تكون جزءاً من الواقع اليومي الذي تعيشه النزيلات.
شاركتهن الطعام والهموم والتفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها كثيرون.
وعندما حاول أصدقاؤها توفير طعام خاص لها من خارج السجن، فضلت أن يذهب ذلك الدعم إلى السجينات بدلاً من أن تستأثر به لنفسها.
في زمن أصبحت فيه الأنانية عنواناً لكثير من العلاقات الإنسانية، يكتسب مثل هذا السلوك دلالة أخلاقية وإنسانية خاصة.
وخلال زيارة قمت بها لها مؤخراً، وجدت امرأة تتحدث بحماس عن المستقبل أكثر مما تتحدث عن الماضي.
لم يكن حديثها منصباً على ظروفها الشخصية بقدر ما كان منصباً على أوضاع النزيلات وكيفية مساعدتهن.
تحدثت عن برامج للدعم النفسي وعن مبادرات للتوعية بمخاطر المخدرات والإدمان وعن أهمية إعادة بناء الثقة بالنفس.
كانت تتحدث وكأنها داخل مؤسسة اجتماعية لا داخل مؤسسة إصلاحية.
وربما تكمن قوة التجربة في أنها انطلقت من قناعة بأن الإنسان يستحق فرصة جديدة مهما كانت أخطاؤه أو ظروفه.
فالسجون في جوهرها ليست أماكن للعقاب فقط، وإنما فضاءات للإصلاح وإعادة التأهيل وإعادة دمج الإنسان في المجتمع.
ومن هذا المنطلق وجدت مبادرات رشان قبولاً وتفاعلاً من عدد من النزيلات.
فالكلمة الصادقة قادرة أحياناً على تحقيق ما تعجز عنه الوسائل الأخرى.
والاستماع الجيد قد يكون بداية حقيقية لعلاج كثير من الجراح النفسية العميقة.
وقد أدركت رشان هذه الحقيقة مبكراً، لذلك جعلت الحوار والتواصل الإنساني أساساً لتحركاتها داخل السجن.
بعض النزيلات وجدن فيها أختاً وصديقة ومرشدة أكثر من كونها زميلة في مكان الاحتجاز.
والبعض الآخر وجد في حديثها نافذة أمل تطل على مستقبل أفضل.

