مسارات الكلام.. خليل فتحي خليل: النفاق الاجتماعي يسوّر حياتنا في السودان

في السودان، حيث اعتدنا أن نفتح أبواب البيوت قبل أن نفتح أبواب الحديث، وحيث للجار مكانة، وللضيف مقام، ولصلة الرحم حرمة، نشأت بين الناس منظومة اجتماعية عريقة تقوم على المودة والتكافل وحفظ المقامات. غير أن شيئاً ثقيلاً تسلل إلى تفاصيل حياتنا، حتى صار النفاق الاجتماعي سوراً يحيط بالكثير من علاقاتنا ومواقفنا.
نبتسم في وجه شخص، ثم نملأ المجالس بالحديث عنه.
نرفع أحدهم إلى السماء أمامه، ثم نهبط به إلى قاع الأرض خلف ظهره.
نصف الفاشل بالعبقري، والمقصر بالمجتهد، والمتكبر بالتواضع، ونمنح المجاملة مساحة أكبر من الحقيقة.
وهكذا أصبحنا في كثير من المواقف نعيش بين وجه نُظهره ووجه نخفيه.
النفاق الاجتماعي يبدأ غالباً من مجاملة صغيرة، ثم يكبر مع الوقت حتى يتحول إلى سلوك عام. نجامِل المسؤول خوفاً من غضبه، ونصفق لصاحب النفوذ طمعاً في رضاه، ونمدح صاحب المال بحثاً عن قربه، ونصمت أمام الخطأ حفاظاً على مصلحة، ثم نذهب إلى المجالس لنحلل وننتقد ونطلق الأحكام.
يا لها من مفارقة!
نحن شعب اشتهر بالشهامة والوضوح و”الوقفة”، ومع ذلك أصبحت المجاملة أحياناً أقوى من الصراحة، وأصبح الخوف من خسارة الأشخاص سبباً في خسارة الحقيقة.
في المناسبات الاجتماعية تظهر الصورة أكثر وضوحاً.
قد تجد شخصاً يمدح آخر أمام جمع من الناس مدحاً مبالغاً فيه، حتى يخيل إليك أن بينهما صداقة عمر كامل، ثم ما إن ينفض المجلس حتى تتغير النبرة وتتبدل الكلمات.
وفي مواقع العمل، قد يتحول النفاق إلى وسيلة للصعود. صاحب الصوت الأعلى في المديح يحظى بالقرب، بينما صاحب الرأي الصريح يدفع أحياناً ثمن وضوحه.
وفي المجتمع، قد يصبح صاحب المظهر البراق أكثر قبولاً من صاحب الجوهر الهادئ.
نحن أمام مشكلة تتجاوز مجرد المجاملة؛ لأنها تمس قيمة الصدق نفسها.
المجتمع الذي يخشى قول الحقيقة يصنع حول الأخطاء جداراً من الصمت. ومع مرور الأيام، تكبر الأخطاء خلف ذلك الجدار، حتى تصبح مواجهتها أكثر صعوبة.
كم من شخص يحتاج إلى كلمة صادقة تنقذه من طريق خاطئ، لكنه يسمع عشرات كلمات المديح التي تدفعه إلى الاستمرار؟
وكم من مسؤول يحتاج إلى صوت يقول له: “توقف، هناك خطأ”، لكنه يجد حوله طابوراً من المصفقين؟.
وكم من صاحب موهبة يحتاج إلى نقد صادق يطوّر تجربته، لكنه يسمع مديحاً مجانياً يجعله يظن أنه وصل إلى القمة؟
النقد الصادق هدية، والمجاملة حين تتجاوز حدودها قد تتحول إلى خديعة.
حتى في علاقاتنا الأسرية، أصبح الخوف من كلام الناس لاعباً رئيسياً في كثير من القرارات. نرتب حياتنا أحياناً وفق نظرة الآخرين، ونحسب حساب المجتمع أكثر مما نحسب حساب راحتنا وضميرنا.
“الناس تقول شنو؟”.
هذه الجملة الصغيرة صنعت قرارات كبيرة، وأثقلت كاهل أسر، وأخّرت أحلاماً، وربما دفعت بعض الناس إلى العيش وفق رغبات الآخرين.
يا أهل السودان، المجتمع يحتاج إلى المجاملة التي تحفظ الود، والصراحة التي تحفظ الكرامة، والنصيحة التي تحفظ الإنسان.
فالفرق كبير بين أن تجامل شخصاً احتراماً لمشاعره، وبين أن تمنحه شهادة زور في حق نفسه.
والفرق أكبر بين أن تحفظ مقام إنسان، وبين أن تصمت عن خطأ يضر الآخرين.
نحتاج إلى إعادة تعريف المجاملة.
المجاملة الجميلة أن تقول كلمة طيبة في وقتها.
أن تشكر من يستحق الشكر.
أن ترفع معنويات المنهك.
أن تحفظ خاطر الحزين.
أن تكرم الضيف.
أن تحترم الكبير.
أما تحويل المجاملة إلى مهنة، والمديح إلى سلعة، والصمت إلى وسيلة للنجاة، فذلك طريق يرهق المجتمع ويقتل قيمة الصدق بالتدريج.
المجتمع السوداني يمتلك رصيداً هائلاً من القيم الجميلة، وما نحتاجه اليوم هو استعادة جوهر تلك القيم بعيداً عن الأقنعة.
نحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول لصديقه: “أنت مخطئ”، دون أن تتحول الصداقة إلى خصومة.
نحتاج إلى مسؤول يسمع النقد دون أن يعتبره عداءً.
نحتاج إلى موظف يقول الحقيقة دون خوف.
نحتاج إلى أب يسمع أبناءه.
نحتاج إلى أم تمنح أبناءها مساحة للاختيار.
نحتاج إلى مجتمع يفرّق بين احترام الإنسان وتقديس الأشخاص.
النفاق الاجتماعي لا يسكن قصوراً بعيدة عن حياتنا؛ إنه يتسلل إلى المجالس، ومواقع العمل، والمناسبات، والأسواق، والهواتف، ومنصات التواصل الاجتماعي.
وفي زمن أصبحت فيه الصورة أهم من الحقيقة عند البعض، صار من السهل صناعة حياة مثالية أمام الناس، بينما الواقع يحمل وجهاً آخر.
نضحك أمام الكاميرا، ونكتب عبارات المحبة، ونوزع القلوب والتهاني، ثم قد نغادر الشاشة إلى واقع مليء بالخصومات والحسد والقطيعة.
السوشيال ميديا كشفت وجوهاً جديدة للنفاق الاجتماعي؛ فهناك من يوزع الحكمة على الناس صباحاً، ثم يمارس عكسها في حياته الخاصة، ومن يتحدث عن الأخلاق أمام الجمهور، ثم يهدمها في أول اختبار.
المشكلة تبدأ عندما يصبح شكل الإنسان أهم من جوهره.
فما قيمة أن يعرف الناس عنك ألف كلمة جميلة، بينما شخص واحد قريب منك يعرف حقيقة معاملتك؟.
ما قيمة التصفيق إذا كان القلب يعرف أنك حصلت عليه بالمجاملة؟
وما قيمة صورة اجتماعية براقة إذا كان صاحبها يعيش بعيداً عن الصورة التي يصنعها للآخرين؟
يا صديقي…
عش بوجه واحد.
قل ما تؤمن به بأدب.
امدح من يستحق.
وانتقد من يحتاج إلى النقد بحكمة.
اعتذر حين تخطئ.
وافرح لنجاح الآخرين بصدق.
ولا تجعل علاقتك بالناس قائمة على ما يمكن أن تحصل عليه منهم.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في ارتداء الأقنعة.
السودان يحتاج اليوم إلى استعادة قيمة الإنسان الصادق؛ ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يختلف دون إساءة، وينصح دون تجريح، ويجامل دون كذب، ويحب دون مصلحة، ويقف مع الحق حتى عندما يصبح الطريق مزدحماً بالمصفقين.
النفاق الاجتماعي سور مرتفع، لكنه قابل للسقوط.
يسقط حين تصبح الصراحة شجاعة، والاحترام سلوكاً، والنصيحة ثقافة، والمجاملة في حدودها الجميلة، والإنسان أكبر من مصلحته الآنية.
وفي النهاية…
قد نخدع الناس لبعض الوقت، وقد ننجح في صناعة صورة براقة أمام المجتمع، لكن الإنسان يبقى في نهاية المطاف أمام مرآة ضميره.
وهناك…
لا جمهور.
ولا تصفيق.
ولا مجاملة.
هناك الحقيقة وحدها.

