من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: أيُّ قبحٍ زار بالأمس خيالي

لكل ثورة أسبابها ودوافعها، وحين نقرأ التاريخ نجد أن الثورات الكبرى لم تكن وليدة مصادفة فحسب …إنما جاءت نتيجة تراكمات حقيقية وأوضاع دفعت الشعوب إلى الانتفاض ، لكن ما يدهشني ويجعلني أعود بالتفكير مراراً: ما الذي كان ينقص السودان حتى قامت فيه ثورة ديسمبر؟ وما الذي كانت تريد أن تغيّره تحديداً؟ وهل كانت تملك مشروعاً يتجاوز إسقاط النظام؟ أم أننا كنا أمام موجة هائلة من الغضب، وجدت طريقها إلى السلطة قبل أن تعرف إلى أين تمضي؟
لست وحدي من يصفها بالمشؤومة! فقد سمعت من زميلي وأستاذي محمد الفاتح وصفاً أكثر قسوة حين سماها (الثورة المنحوسة)! ، كلما نظرت إلى حال السودان اليوم، وجدتني أتساءل: أحقاً كان هذا هو الطريق الذي كان علينا أن نسلكه؟
قبلها، وبكل عيوب ذلك العهد ومآخذه، كانت الحياة تمضي بصورة أكثر استقراراً، كان الأمن والأمان حاضرين بدرجة أكبر، وكانت المدارس والجامعات تعمل وفق تقاويمها، والأسواق مفتوحة، والناس يعيشون حياتهم رغم الضيق الاقتصادي، حتى الراعي كان يخشى على غنمه من الكلاب الضالة أكثر مما يخشى عليها من بندقية مجهولة!
كانت هناك دولة، ومؤسسات، وحياة يومية يمكن للناس أن يبنوا عليها أحلامهم.
ليت ذلك الزمان يعود يوماً… لكنني أخشى أنه لن يعود بسهولة،ثم جاءت الثورة الملعونة ، فركب حمارها كثيرون، وكان ذلك الحمار كما يقول أهلنا في وصف الدابة التي لا تستقيم (به عرجة في الرجل الأمامية)! وجوه سياسية ظهرت فجأة من العدم، وأسماء لم يكن لها حضور يوازي حجم الضجيج الذي أحدثته، وعصف سياسي لم يكن دائماً عصفاً ذهنياً بقدر ما كان عصفاً في اتجاهات الريح.
حتى حمدوك، الذي وجد نفسه رئيساً للوزراء، بدا في بدايات عهده (كالغنماية)! التي اشتراها صاحب منزل حديثاً تتلفت ذات اليمين وذات الشمال، لا تعرف أين هي، ولماذا جيء بها، وإلى أين ينبغي أن تمضي!.
كانت المشكلة أكبر من الأشخاص فقد قامت الحكومة الانتقالية على شعارات براقة، لكنها لم تستطع تحويل تلك الشعارات إلى مشروع دولة، وسرعان ما ظهرت هشاشة البناء، وبدأ الفشل يتسلل من الشقوق الأولى ، بدلاً من أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً نحو دولة مستقرة، تحولت إلى ساحة للصراع السياسي، وتكاثر فيها الخصوم، واشتدت فيها الخصومة، حتى بدا المشهد أحياناً وكأن السياسة السودانية قد قررت أن تمارس فجور الخصومة بدلاً من ممارسة فن إدارة الدولة
والأخطر أن الثورة لم تُسقط نظاماً سياسياً فحسب، بل فتحت الباب أمام ظهور نخب وأسماء وكيانات سياسية لم تكن تملك من الخبرة ما يؤهلها لحمل بلد بحجم السودان، فصار كل من امتلك منصة أو هتافاً أو مجموعة في وسائل التواصل الاجتماعي مشروع سياسي، وصارت الشعارات بديلاً عن البرامج، والخصومة بديلاً عن الحوار، والإقصاء بديلاً عن التوافق
ثم جاءت الحلقة الأخطر: الاتفاق الإطاري
وهنا لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي … بل وصل السودان إلى واحدة من أكثر نقاط الانقسام خطورة، وانتهى الأمر إلى حرب لا هوادة فيها، دفع ثمنها المواطن الذي لم يكن طرفاً في كل تلك الحسابات، وفقد بيته وأمنه ورزقه، وتفرقت أسر، وخربت مدن، وتوقفت حياة كاملة
لا يستطيع عاقل أن ينكر أن سنوات الانتقال المليئة بالصراع والانقسام والاصطفاف قد صنعت بيئة سياسية شديدة الهشاشة، كان يمكن لأي شرارة فيها أن تشعل حريقاً واسعاً
وهنا يعود السؤال الذي لا يفارقني: ماذا كانت تلك الثورة تريد للسودان؟ وهل كان إسقاط نظام كافياً لبناء دولة؟ وهل كانت النخب التي تصدرت المشهد تملك مشروعاً يليق بهذا البلد؟ أم أن الجميع كان يجري خلف اللحظة، حتى انتهت اللحظة وسقط السودان معها في هاوية لم يكن أحد يتخيل عمقها؟
إني من منصتي أنظر ….حيث اقول لنفسي : تبا لهذا الخيال الذي زارني بالأمس! فقد جلست أتأمل السودان قبل ديسمبر، والسودان بعد ديسمبر، فوجدت بين الصورتين وطناً أُنهك، وشعباً دفع ثمناً باهظاً، وأحلاماً كثيرة تحولت إلى رماد.

