مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: ترجّلوا عن المكاتب… فلا تُذلّوهم عند الأبواب!

من الشهر القادم، وحتى نهاية هذا العام، ستشهد الخدمة المدنية ترجّل أعداد كبيرة من الموظفين والعمال بعد بلوغهم سن المعاش، وسيمضي كثيرون إلى بيوتهم، تاركين خلفهم مكاتبَ شهدت سنوات عمرهم، وأقلاماً كتبت، وملفاتٍ حملت عصارة خبراتهم.

ليست المسألة مجرد معاشيين جدد يخرجون من أبواب المؤسسات، إنها مغادرة جيلٍ كاملٍ راكم الخبرة والمعرفة، وأفنى زهرة شبابه في خدمة الدولة. قيادات كبيرة ستترجل، وأسماء كانت تُشار إليها بالبنان ستغادر مقاعدها، وشخصيات كان حضورها يملأ المكان ستصبح فجأة خارج المشهد.
وهنا تبدأ المفارقة الأكثر إيلاماً.

قد يكون أصعب ما ينتظر بعض هؤلاء ليس مغادرة الوظيفة، وإنما (الجرجرة) خلف مستحقاتهم. من كان بالأمس يمسك القلم الأحمر فيعتمد، أو القلم الأخضر فيوقّع، ويُنجز للناس معاملاتهم في دقائق، قد يجد نفسه اليوم واقفاً أمام ذات المكاتب، ينتظر توقيعاً، ثم ختمًا، ثم إفادة، ثم لجنة، ثم إجراءً آخر لا يعرف متى ينتهي!
يا لها من صورة موجعة!

رجلٌ أفنى أربعين عاماً من عمره في خدمة الدولة، ثم حين جاء يوم الدولة لترد له شيئاً من حقه، وجد نفسه يطارد حقه بين النوافذ والمكاتب.

كان عزيزاً في قومه، فإذا به يطلب حقاً هو أصلاً حقه.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح منذ الآن:

هل الدولة مستعدة فعلاً للوفاء بمستحقات هؤلاء عند تقاعدهم؟ وهل الجهات الرسمية المعنية جاهزة لإنهاء إجراءاتهم دون جرجرة أو إذلال؟
إن كانت الإجابة نعم، فهذا هو المطلوب.

وإن كانت الإجابة لا، فتهيأوا لهذا المشهد الحزين: أعزاء قومٍ أذلّتهم الإجراءات!

إني من منصتي أنظر…. حيث أقول: احترموا هؤلاء قبل أن يغادروا الخدمة، واحفظوا لهم كرامتهم وهم يخرجون من أبوابها، فقد لا يملكون بعد اليوم سلطة القلم الأحمر ولا الأخضر، لكنهم يملكون شيئاً أثمن منهما جميعاً: سنوات عمرٍ كاملة وضعوها في خدمة هذا الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى