مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: حبيب قول ليا راجع!!

ثمة قلوب لا تعرف كيف تودّع، حتى حين يطول الغياب، وثمة أغنيات تُمسك بطرف الحكاية وترفض أن تتركها تسقط في النسيان، (حبيب قول لي راجع) واحدة من تلك الأغنيات التي لا تطرق باب الحبيب الغائب بقدر ما تطرق أبواب الذاكرة، وتستدعي زمناً كان فيه الحب وعداً بالحياة، فإذا به يتحول إلى انتظار مفتوح على الرجاء والوجع ، هنا لا يغني العاشق عن الفراق فحسب، بل يقاومه بصوته، كأن تكرار النداء قد يعيد ما عجزت المسافات عن إعادته.

كتب كلمات الأغنية موسى حسن، ولحنها عبد اللطيف خضر، وغناها إسماعيل حسب الدائم ، ثلاثة عناصر اجتمعت لتصوغ تجربة عاطفية قوامها بساطة العبارة وعمق الإحساس.

شعرياً، يراهن موسى حسن على صدق العاطفة أكثر من مراهنته على زخرفة اللغة، ففي قوله: أهديتك محبة خالدة مع الزمان، ومن خفقان ضلوعي وهبتك كل حنان) يجعل الحب عطاءً من الروح والنبض، لا مجرد كلمات تُقال، وحين ينتقل إلى العتاب: (ليه تنكر هوايا، هوايا تنسى البينا كان؟) تتبدل نبرة النص من البوح إلى المواجهة، لكن المواجهة هنا لا تحمل قسوة الكراهية، بل دهشة المحب الذي لا يفهم كيف يمكن لذاكرة أن تتخلى عن كل ذلك الوفاء.

ثم تأتي الأسئلة: (وين زمن المحبة، وين غالي العهود؟ وينو شريك حياتي، وين أملي الودود؟) لتكشف أن الغياب لم يأخذ شخصاً فحسب، بل أخذ معه زمناً كاملاً من الأحلام والوعود. وتتجلى براعة النص في أنه لا يغلق الحكاية عند حدود الخذلان؛ فالعاشق، رغم ألمه، لا يزال يأمل: (أنا ما زلت آمل، آمل تعطف يوم تجود). هنا تكمن المفارقة الإنسانية التي تمنح الأغنية عمقها، فالقلب قد يعترف بالجرح، لكنه لا يتخلى بسهولة عن اليد التي جرحته.

أما اللازمة (حبيب قول لي راجع، راجع ليا تاني) فهي أكثر من عبارة تتكرر لتسهيل الحفظ والغناء، إنها المحور النفسي للأغنية كلها. فالعاشق لا يطلب العودة فقط، بل يطلب خبراً يحرره من أسر الاحتمالات. إنه يريد أن يعرف أن الانتظار ليس وهماً، وأن الغد ما زال يحمل فرصة لاستعادة ما انكسر. وحين يتخيل عودة الحبيب، يذهب أبعد من الفرح الشخصي إلى أن الدنيا ستفرح والكون سيصبح بهجة ونوراً في عينيه؛ وكأن الغائب لم يكن جزءاً من حياته، بل كان الضوء الذي يرى به الحياة كلها.

موسيقياً، تبرز قيمة عبد اللطيف خضر ود الحاوي في التحدي الذي فرضه جمالا ودوزنة حينما لحن لإبراهيم عوض (يازمن) ولحن لحمدالريح (بين اليقظة والأحلام) … أما في هذا النص رسم كيف يمنح الشوق لحناً، والعتاب نغمة، والرجاء مساحة يتنفس فيها؟ فاللحن في الأغنية العاطفية الناجحة لا ينبغي أن ينافس الكلمات على الانتباه، بل أن يكشف ما وراءها، وأن يجعل الانتقال من الشكوى إلى الأمل انتقالاً محسوساً في وجدان المستمع. وتمنح اللازمة المتكررة العمل مركزاً وجدانياً يعود إليه كلما ابتعد النص في أسئلة الفقد واستدعاء العهود القديمة.

يأتي أداء إسماعيل حسب الدائم ليمنح هذه الكلمات حضورها الصوتي. فمثل هذه الأغنية تحتاج إلى إحساس قادر على حمل الشجن دون مبالغة، وإلى وضوح يجعل المستمع يسمع المعنى ويحس به في آن واحد، فالتحدي ليس في ترديد (راجع ليا تاني)، بل في جعلها تبدو في كل مرة كأنها رجاء جديد، لم يستنفد القلب قدرته على الانتظار بعد. وهنا تتكامل الوظائف الفنية: الشاعر يرسم الحالة، والملحن يمنحها مسارها الموسيقي، والمطرب يحملها من الورق والنغم إلى وجدان الناس.

ولعل سر بقاء مثل هذه الأغنيات في الذاكرة أنها لا تحتاج إلى قصة معقدة كي تلامس المستمع؛ فالغياب تجربة يعرفها الناس بأشكال مختلفة، والحنين لغة تفهمها القلوب دون ترجمة. قد لا يجد النص تفرده في غرابة الصور الشعرية، لكنه يجد قوته في وحدة إحساسه ووضوح رسالته، وفي قدرته على تحويل تجربة خاصة إلى مساحة وجدانية يتسع فيها المكان لكل من انتظر عودة شخص عزيز.

إني من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن هذا الدلق ليس أغنية عن حبيب تأخر في العودة فحسب، بل عن قلب يؤجل إعلان الهزيمة، ويتمسك بخيط رفيع بين الذاكرة والأمل. وحين يعجز العاشق عن استعادة الغائب، يستدعيه بالغناء؛ فبعض الأصوات لا تعيد الراحلين، لكنها تمنح حضورهم عمراً آخر في الروح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى