مقالات

نضال عثمان تكتب: الوالي وأهالي أمري.. حين تتقدم القضية على الضجيج

لم تكن قضية أهالي أمري بالولاية الشمالية وليدة اعتصام عابر أو مطلباً ظهر في اللحظة الأخيرة، بل هي قضية ممتدة لسنوات، ارتبطت بآثار قيام السدود وما ترتب عليها من ملفات اجتماعية واقتصادية وإنسانية ظلت تنتظر المعالجة.

وطوال هذه السنوات، ظل مواطنو أمري يطرقون أبواب الجهات المختصة، وفي مقدمتها إدارة السدود، أملاً في الوصول إلى حلول تنهي معاناة تراكمت مع الزمن. ومع تعثر الوصول إلى معالجة مرضية، اختار الأهالي أخيراً الاعتصام السلمي للتعبير عن مطالبهم، مؤكدين أن قضيتهم تخص حقوقهم ومصالح منطقتهم، وليست ساحة لتصفية الحسابات أو تمرير أجندات أخرى.

وفي خضم هذا المشهد، جاء موقف والي الولاية الشمالية اللواء عبد الرحمن عبد الحميد ليضع القضية في إطار مختلف، عندما انتقل بنفسه إلى حيث يوجد المعتصمون، واستمع إلى مطالبهم بصورة مباشرة.

الوالي، وهو يخاطب حشداً من أهالي أمري، كان واضحاً في رسالته: «سندوني ناس أمري.. ما زول تاني سندني»، مؤكداً أن أبناء المنطقة ظلوا سنداً له، وأن قضيتهم هي التي يجب أن تكون في مقدمة الأولويات.

ولم يتوقف حديثه عند حدود التضامن، بل دعا أهالي أمري إلى عدم الانسياق وراء قضايا الآخرين، قائلاً إن المطلوب هو تبني قضاياهم الخاصة، ومشدداً على أنه سيقاتل من أجل قضايا أمري وأهلها، وليس من أجل قضايا تفرض عليهم من خارج منطقتهم.

هذه الرسالة، في جوهرها، تتجاوز الخطاب السياسي المباشر؛ لأنها تضع معياراً مهماً لأي قضية عامة: وضوح المطالب، وعدم السماح بتحويلها إلى وسيلة لخدمة أجندات لا علاقة لها بأصحاب الحق.

فالقضية العادلة لا تحتاج إلى ضجيج زائد حتى تجد طريقها إلى الحل، وإنما تحتاج إلى أصحاب حق يعرفون ماذا يريدون، ومسؤول يمتلك الشجاعة الكافية للاستماع إليهم والجلوس معهم على طاولة واحدة.

ولعل الأهم في لقاء الوالي بأهالي أمري أن المسافة بين المسؤول والمواطن لم تكن حاضرة. فبدلاً من انتظار أن يصل أصحاب المطالب إلى مكاتب الحكومة، اختار المسؤول أن يذهب إليهم في موقع اعتصامهم، ويستمع إلى شكواهم ومطالبهم بصورة مباشرة.

وهنا تكمن قيمة الحوار الحقيقي؛ فالمواطن، قبل أن يبحث عن القرار، يحتاج إلى أن يشعر بأن صوته مسموع وأن قضيته حاضرة على طاولة المسؤولين.

كما أن الاحتجاج السلمي، متى ما كان منظماً وواضح المطالب، يمثل إحدى أدوات التعبير المشروعة عن القضايا العامة، في وقت تظل فيه مسؤولية الدولة هي إدارة مثل هذه المطالب بالحوار والاستماع والبحث عن المعالجات الممكنة.

أهالي أمري لا يطلبون أكثر من أن تبقى قضيتهم في مسارها الصحيح، وأن تجد مطالبهم المتعلقة بآثار السدود طريقها إلى الحل، بعيداً عن الاستقطاب أو محاولات جر المنطقة إلى معارك لا تخصها.

والوالي، من جانبه، وضع نفسه أمام مسؤولية واضحة حين أعلن أن قضايا أمري ستكون محل دفاع ومتابعة، داعياً في الوقت ذاته إلى وعي الأهالي وعدم الانجرار وراء ما وصفه بالمطامع والأيادي التي قد تحاول استغلال قضيتهم.

في النهاية، ليست المسألة في كثرة الشعارات، ولا في ارتفاع الأصوات، وإنما في الوصول إلى حلول حقيقية تحفظ حقوق المواطنين وتغلق الملفات القديمة بعدالة.

أمري تريد حقها.. والولاية مطالبة بأن تجعل الحوار بداية الطريق إلى الحل، لا محطة جديدة في انتظار حل مؤجل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى