مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب:ملتقى الإعلاميين تحت دائرة الضوء

كل ملتقى لا يقيم بعدد الحضور ، ولا كل اجتماع ينجح بعدد الأوراق التي تُقرأ فيه، بعض الملتقيات تُقاس بما تتركه من أثر، وما تفتحه من نوافذ، وما تضعه من أفكار قابلة للتحول من حبر على الورق إلى واقع يمشي على قدمين.

من هذا الباب، أرى أن ملتقى الإعلاميين كان محطة مهمة، ليس فقط بما طُرح فيه من أوراق، وإنما بما كشفه من طاقات إعلامية وخبرات تستحق أن تكون تحت دائرة الضوء.

كان جميلاً أن ألتقي بوجوه إعلامية أعرفها وأعتز بها، وأن أتعرف للمرة الأولى على أسماء ظللت أراها خلف الشاشات، فإذا بها أمامك على الهواء مباشرة، بلا شاشة تفصل بينك وبينها، نجوم لكل واحد منهم تجربته وبصمته، ولهم جميعاً الاحترام والتقدير.

العصف الذهني الذي شهدته قاعة الملتقى كان واحداً من أهم مكاسبه أوراق لم تكن مجرد حديث إنشائي، بل عصارة سنوات من الخبرة والتجربة في العمل الصحفي والإعلامي، تحولت إلى أفكار ومقترحات وخطط تحتاج الآن إلى شيء واحد فقط: أن تغادر الورق إلى أرض الواقع.

أجمل ما في الملتقى أن المداخلات اضافت ووسعت زاوية النظر وهنا تكمن قيمة الحوار الحقيقي ، أن لا تكون الورقة نهاية الحديث، بل بدايته.

تقارير رؤساء اللجان حملت توصيات مهمة يمكن أن تشكل، إذا وجدت طريقها إلى التنفيذ، إضافة حقيقية لمسيرة المهنة، وتطويراً للصحفي نفسه، ورفعاً لمستوى الممارسة الإعلامية بصورة عامة

أقولها بوضوح: ما خرج به الملتقى يمكن أن يكون مصفوفة متكاملة لتطوير المهنة، وليس مجرد توصيات تحفظ في الأدراج ثم يعلوها الغبار وهنا يأتي السؤال الأصعب:
هل ستجد هذه التوصيات طريقها إلى التنفيذ؟.

فالنجاح الحقيقي لأي ملتقى لا يبدأ عند إعلان توصياته، بل يبدأ في اليوم التالي لانفضاض سامر الحضور ، التنفيذ يحتاج إلى متابعة، وإرادة، وشراكة، ومؤسسات تحمل هذه التوصيات من قاعة الملتقى إلى ميدان العمل.

أتمنى أن يجد الأمر متابعة مستمرة من الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، وأن تتفاعل معه الجهات الرسمية ذات الصلة، حتى تتحول هذه الأفكار إلى برامج ومشروعات وخطوات عملية يشعر بها الصحفي في واقعه المهني، لا أن تبقى مجرد عبارات جميلة في تقرير ختامي.
ثم دعوني أقول شيئاً آخر، ربما يكون أهم من كل ما سبق:

الذين لم يحالفهم الحظ في حضور الملتقى ليسوا خارج المشهد، ولا ينبغي أن يتحول عدم الدعوة إلى خصومة أو زعل أو معركة جانبية بين أهل المهنة.
فأنا شخصياً، لو لم تتم دعوتي، لما أخذت الأمر على محمل شخصي، لأن القضية عندي أكبر من مقعد في قاعة.

ما يهمني أن يكون الخير لكل الصحفيين، وأن يمثلنا من يستطيع تمثيلنا خير تمثيل، وأن تكون المصلحة المهنية فوق الأسماء والمقاعد والدعوات.

لقد أرهقنا أنفسنا كثيراً بالقدح في بعضنا، وبالبحث عن مواطن الخلاف أكثر من بحثنا عن مساحات الاتفاق، والإعلاميون أحوج ما يكونون اليوم إلى أن يختلفوا في الرأي دون أن يختلفوا في الود، وأن يتنافسوا في الإنجاز دون أن يتحول التنافس إلى خصومة،
الملتقى ليس ملكاً لمن حضره، والتوصيات ليست حكراً على من كتبها، والنجاح إن تحقق لن يُحسب لفرد أو مجموعة، بل سيحسب للصحافة السودانية كلها.

إني من من منصتي أنظر….. حيث أرى…. أن ملتقى الإعلاميين وضع الكرة في ملعب الجميع، وأن أجمل ما يمكن أن يحدث الآن ليس أن نسأل: من دُعي؟ ومن لم يُدعَ؟ ومن جلس في الصف الأول؟ ومن غاب؟.

بل أن نسأل السؤال الذي يصنع الفرق:
متى تبدأ التوصيات في التحول إلى أفعال؟.

فالمهنة لا تتطور بالتصفيق للتوصيات، وإنما بوضعها موضع التنفيذ.
والذين حضروا الملتقى لهم التحية والتقدير، والذين لم يحضروا لهم التحية والتقدير، ومن مثلنا خير تمثيل فله الشكر، ومن اجتهد فله الاحترام.

فالطريق طويل… والغاية واحدة: إعلام سوداني أقوى، وصحفي أكثر مهنية، ومهنة أكثر احتراماً واستقلالاً وتأثيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى