مقالات

كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: الوساع

إنها بداية البرمجة، وأنت تدلف إلى عالم الخدمة المدنية لأول مرة، وكأنما حِيزت لك الدنيا بحذافيرها، وأن أبواب الرزق قد فُتحت لك عنوة، ولن يُغلق دونك باب، ولا تدري أنك تلهث وراء السراب.
إنه عالم يسلب منك كل إحساس بالتوكل، وتظن أنك تعلم ما تكسب غداً، طالما كان اسمك مدوناً في سجل المرتبات.

إنه عالم ضيق حرج، يكتم الأنفاس، ولن تجد له مخرجاً.
عالم مجنون، له فنون وخمر وأفيون، وأنت خلف قضبانه مقيد مسجون، عبدٌ طائع، مرقومة لك لوائح وشؤون، تُدبَّج فيك التقارير بمزاج سيدك، إن كان عادلاً أو ظلوماً.

وأنت في هذا العالم مفتون، لا تشعر بالعمر يزحف وأنت تغط في النوم، فإذا بخطاب المعاش يُلقى إليك كقدر محتوم، وكأنك لم تلبث في وظيفتك ساعة أو بعض يوم.

أخيراً أُغلق باب كنت تظنه مفتوحاً، وأنه سوف يدوم.
الآن… الآن توقف المرتب، وبالشمع الأحمر أصبح مختوماً.
الآن… الآن أنت خارج التغطية، ولا يمكن الوصول إليك حالياً.
الآن… الآن سوف تدلف إلى العالم الجديد، وقد استلم ملفك ذو العرش المجيد، فعال لما يريد.

يأتيك رزقك رغداً من غير حسبان، ولا خصم من الرصيد.
أنت الآن في عالم التوكل والثقة، وتقنع بالشيء الزهيد.
الآن سوف تكتشف أن الوظيفة كانت أضيق أبواب الرزق للعبيد.
وأن ما كُتب لك عنك لن يحيد، مهما سعيت خلفه وكتبت له القصيد.
الآن… الآن أنت بلا مرتب، ولا بطاقة علاجية، ولا انتظار ترقية، خالي الوفاض والجيب، ورزقك سائغ، وهذا شيء عجيب.
الذي خلقني فهو يهدين
والذي هو يطعمني ويسقين
وإذا مرضت فهو يشفين
والذي يميتني ثم يحيين
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين
صدق الله العظيم
سورة الشعراء

رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى