قبل أن تغادر.. م. خالد حسن إبراهيم يكتب: تسييس الخدمة المدنية.. القاتل الخفي لنهضة البلاد

تسييس الخدمة المدنية داء قديم، وحتى في زمن المستعمر لم تخلُ التعيينات من الولاء للإدارة الاستعمارية، وإبعاد الوطنيين من المناصب العليا.
وبعد الاستقلال بدأ تحكم الأحزاب التقليدية، (الاتحادي الديمقراطي والأمة)، في المناصب العليا بالدولة، خاصة في وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي.
وبعد ثورة أكتوبر 1964 تم فصل الموظفين المنسوبين على نظام عبود (1958 – 1964)، رغم وجود قانون الخدمة المدنية لعام 1954، والذي ينص على حماية الموظف من الفصل التعسفي.
وبعد عام 1969 مارست مايو الأولى، ذات الرداء الشيوعي، سياسة (تطهير الخدمة المدنية) من الرجعية، وهم المنتمون للطائفية والتوجه الإسلامي، ففصلت حتى البروفيسور عبد الله الطيب، بتهمة الرجعية والانتماء الإسلامي.
ومعروف توجهه للقاصي والداني، رحمة الله عليه، ولكنه أُخذ بشبهة ترجمته للقرآن الكريم في إذاعة أم درمان مع المقرئ صديق أحمد حمدون، رحمة الله عليه.
وعندما جاءت الإنقاذ في عام 1989، تم تقنين الفصل عبر قوانين إعادة الهيكلة والصالح العام، حتى عام 2005 عندما أُقر دستور 2005، وشهدت الإنقاذ مرحلة انفتاح على الأحزاب، وشارك عدد كبير منها في الحكومة، وتم استيعابها في مفاصل الدولة.
واستمرت المشاركات الحزبية في عهد الإنقاذ حتى سقوطها، فخلت هذه الفترة نسبياً من الفصل والإبعاد بشبهة الانتماء والولاء السياسي، وحلت مكانها آفة أكبر، وهي التعيين بالمحاصصة السياسية والحزبية.
وبعد سقوط الإنقاذ زادت هذه الآفة، وبالذات في حكومة حمدوك، وفي أوج سلطة لجنة التفكيك، واستمر الحال حتى حرب حميدتي وآل دقلو عام 2023.
وبعد الحرب تأثرت الخدمة المدنية بسيطرة اتفاق جوبا وتعيينات المحاصصة السياسية.
تأتي الكفاءة المهنية والإدارية في المرتبة الثانية، في أحسن الأحوال، إن لم تُهمَل في كثير من التعيينات، ويأتي للأسف (الولاء السياسي والحزبي، والقرابة القبلية، والانقياد للمسؤول الأعلى، ثم التمثيل المناطقي)، وكل ذلك يسبق الكفاءة الإدارية في كثير من الأحيان.
فعادي أن يقولوا لك:
“هذه الوظيفة محجوزة للحزب الفلاني أو لشخص من المنطقة الفلانية.”
ويموت حسرةً من هم أكفأ ممن يأتي فوقهم وزيراً أو مديراً، وهو خالي الوفاض من كل شيء، فتضيع خططهم وأحلامهم وأغانيهم:
“حنبنيه البنحلم بيه يوماتي وطن شامخ وطن عاتي.”
التعيين بالولاء السياسي والمحاصصة الحزبية في الخدمة المدنية لا يخدم التنمية في السودان، وذلك للأسباب التالية:
1. قتل الكفاءة وتعطيل مؤسسات الدولة
الخدمة المدنية يفترض أن تعمل بقانون وقواعد مهنية ثابتة، بغض النظر عن الحزب الحاكم.
وعندما يصبح المعيار:
“أنت مع منو؟”
بدلاً عن:
“بتعرف تعمل شنو؟”
و*”مؤهلاتك شنو؟”*
فإن النتيجة تكون:
مجيء كوادر ضعيفة إلى مناصب حساسة، مثل وزارة المالية، والصناعة، والصحة، والتعليم، والطاقة، والتعدين، فتخرج القرارات متأخرة وخاطئة.
الموظف الكفؤ يتجمد أو يهاجر خارج السودان، لأنه يعلم أن الترقية لا تأتي إلا عبر الحزب.
النتيجة: مشاريع متعطلة، وميزانيات تُصرف بلا أثر، وإهدار للموارد، وتدهور في الخدمات الأساسية كالكهرباء والعلاج، مع فقدان الدولة لذاكرتها المؤسسية.
2. خلق عدم استقرار إداري مع كل تغيير سياسي
في السودان، كل حكومة جديدة تأتي تمسح ما قبلها وتأتي بأفرادها، (الولاء قبل الكفاءة).
السياسات لا تستمر ولا تكتمل، فمشروع بدأ في 2020 يتوقف في 2023 لأن المدير الجديد جاء بفكر مختلف، والجميع يعمل بخطة (كنس آثار…).
المستثمر الأجنبي والمحلي لا يستطيع التخطيط لخمس سنوات إلى الأمام، لأنه لا يضمن القوانين والإجراءات التي تتغير مع كل وزير جديد.
التنمية تحتاج إلى استمرارية تمتد من 10 إلى 15 سنة في الصحة والتعليم والبنية التحتية، وهذا لا يحدث مع عقلية: (نمسح السبورة).
3. فتح باب الفساد وإضعاف الرقابة
عندما تكون المحاسبة حزبية، فإن المسؤول لا يخاف من القانون، بل يخاف فقط من أن يغيّره حزبه.
وأقصى ما قد يُعاقب به هو (الإعفاء)، لذلك قد يأتي بسوء نية لينهب ما تحته وما حوله ثم يغادر.
إذا أخطأ، يغطي عليه حزبه ويحميه، حتى لا يظهر الحزب ضعيفاً أو فاسداً أمام الشعب.
وإذا كان كفؤاً لكنه من الحزب الخطأ، يتم تغييره أو فصله.
الأجهزة الرقابية، مثل المراجع العام وديوان المظالم، تفقد استقلاليتها، وتتحول إلى أدوات سياسية صورية أو مجمدة وغير فعالة.
النتيجة: فساد إداري ومالي منتشر، وانهيار ثقة المواطن في الدولة.
وبدون ثقة:
لا تُدفع الضرائب،
ولا يأتي الاستثمار،
ولا تحدث التنمية.
التنمية تحتاج إلى جهاز إداري محايد ومستقر، يعمل على أساس الجدارة.
وقد كشفت التجربة السودانية منذ 1956 وحتى 2026 أنه كلما دخلت المحاصصة الحزبية إلى الخدمة المدنية، رجعنا خطوة إلى الوراء:
الاقتصاد يتعطل
الكفاءات تهاجر
المواطن يفقد الثقة
المستثمر يهرب
وشرط النهضة هو وجود خدمة مدنية محايدة، تعتمد على الكفاءة والجدارة والشفافية وسيادة القانون.

