خليل فتحي خليل يكتب في سمع وشوف.. عندما يتكلم المال… ويصمت العقل

من غرائب هذه الحياة أن كثيرًا من الناس لا يزنون الأقوال بميزان الحكمة، وإنما يزنونها بميزان الجيوب. فإذا تحدث صاحب مال، أصغت إليه الآذان، وتسابقت إليه المجالس، وربما رُفع إلى مقام الحكيم وإن أخطأ وأساء التقدير. أما الفقير، فإن أصاب كبد الحقيقة، وأتى بالرأي الرشيد، فقد لا يجد من يسمعه أو يلتفت إليه.
وهذه ظاهرة قديمة صاحبت المجتمعات البشرية منذ أزمان بعيدة، حتى تحدث عنها الأدباء والشعراء والحكماء، وسجلتها كتب التراث العربي في أبيات خالدة وكلمات ما زالت تصف واقع الناس إلى يومنا هذا.
إن المال نعمة عظيمة إذا استُخدم في الخير، لكنه عند بعض الناس أصبح معيارًا للحكمة والعلم والمكانة الاجتماعية. فكثيرًا ما نجد أن رأيًا ضعيفًا يلقى القبول لأن قائله ثري أو صاحب نفوذ، بينما يُهمل رأي صائب لأن صاحبه فقير لا يملك من الدنيا إلا علمه وتجربته.
وقد أدرك العرب هذه الحقيقة منذ القدم، فقالوا:
“إذا قالت حذامِ فصدقوها
فإن القول ما قالت حذامِ”
لكن الواقع اليوم أصبح عند بعض الناس:
إذا قال الغني فصدقوه وإن أخطأ، وإذا قال الفقير فشككوا فيه وإن أصاب.
ولم يكن الشعراء بعيدين عن تصوير هذا المشهد، فقد قال الشاعر:
قد يُكرم المرءُ للمال الذي معه
وما له في حقيقة الأمر من شرفِ
وقال آخر في وصف تأثير المال على النفوس:
رأيتُ الناس قد مالوا
إلى من عنده مالُ
ومن لا عنده مالٌ
فعنه الناس قد مالوا
وهي أبيات تختصر واقعًا مؤلمًا، إذ يتحول المال عند البعض إلى جواز مرور نحو القلوب والعقول، بينما تُغلق الأبواب أمام أصحاب الرأي والخبرة إذا كانوا من أهل الحاجة والفاقة.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا الباب قول الشاعر الحكيم:
إن الدراهم في المواطن كلها
تكسو الرجال مهابةً وجلالا
فكم من إنسان بسيط يملك من الحكمة ما يعجز عنه أصحاب الأموال، وكم من فقير يحمل رؤية ثاقبة وخبرة عميقة، لكن المجتمع لا يمنحه الفرصة ليُسمع صوته.
إن القيمة الحقيقية للإنسان لا ينبغي أن تُقاس بما يملك من مال، وإنما بما يملك من علم وأخلاق وفكر وتجربة. فالتاريخ لم يخلد الأغنياء لأموالهم، بل خلد أصحاب المواقف والكلمة الصادقة والعقول المستنيرة.
ولو تأملنا واقع الأمم الناهضة، لوجدنا أنها تحترم الفكرة قبل صاحبها، وتنظر إلى الحجة لا إلى الثروة، وإلى العقل لا إلى الرصيد البنكي. أما المجتمعات التي تجعل المال معيارًا لكل شيء، فإنها تخسر كثيرًا من الكفاءات والطاقات التي قد تكون بين صفوف البسطاء والمغمورين.
ختام قولي
يبقى المال زينة من زينة الحياة، لكنه ليس دليلًا على الحكمة، ولا شهادة على صحة الرأي. وقد آن الأوان أن نعيد الاعتبار للكلمة الصادقة والفكرة النيرة مهما كان قائلها. فالحكمة قد تخرج من بيت فقير،
والعقل الراجح قد يسكن صدر رجل لا يملك من الدنيا إلا قوت يومه.
فلنستمع إلى الرأي بعقولنا لا بعيوننا، ولنزن الرجال بأفكارهم وأخلاقهم لا بما في جيوبهم، فكم من فقير أغنى الناس حكمة، وكم من غني أفقرهم رأيًا وبصيرة.
ونلتقي بعون الله.

