دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الحوار وإن طال السفر (5)

كل حوار سياسي يواجه امتحانه الحقيقي عندما يصل الحديث إلى السلطة والمناصب. في هذه اللحظة، تتراجع الشعارات الكبيرة، وتبدأ أحياناً المفاوضات الصغيرة حول: من يأخذ ماذا؟ وهذا هو الفخ الذي ينبغي أن يتجنبه الحوار السوداني. فحوار أبناء وبنات السودان لا يجوز أن يتحول إلى مائدة لتقاسم المناصب، لأن المحاصصة قد تنتج سلطة مؤقتة، لكنها لا تبني دولة مستقرة. وكثير من الأزمات تبدأ عندما يصبح الموقع العام ملكاً لجهة سياسية، ويتقدم الولاء على الكفاءة، وتتحول الدولة إلى غنيمة توزع بين المنتصرين. لذلك لا بد من التمييز بوضوح بين الحوار حول مستقبل الدولة، والتفاوض حول اقتسام السلطة.
ينبغي أن ينشغل الحوار بما هو أبقى وأخطر: وقف الحرب، وصناعة السلام، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، وضبط العلاقة بين السلطات، ووضع قواعد انتقال تفتح الطريق نحو الشرعية الدستورية. أما إدارة المرحلة الانتقالية، فيجب أن تقوم، قدر الإمكان، على الكفاءة والاستقلال والخبرة. ولا يعني ذلك إقصاء أصحاب الخبرة السياسية، وإنما يعني ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى امتداد جديد للمحاصصة الحزبية، ولا إلى جسر تعبر عليه القوى السياسية نحو السلطة قبل الاحتكام إلى إرادة الشعب.
فالسلطة المؤقتة ليست جائزة للفائزين في الحوار، ولا تعويضاً سياسياً للخاسرين، وإنما مسؤولية استثنائية لإنجاز مهام محددة ثم تسليم السلطة إلى مؤسسات منتخبة. وكلما ابتعد الحوار عن قوائم الوظائف، اقترب من غايته الوطنية. أما إذا دخل كل طرف إلى القاعة وهو يخفي في جيبه قائمة بالمناصب التي يريدها، فلن يكون الحديث عن الوطن إلا مقدمة طويلة لمعركة جديدة حول السلطة. فالدولة لا تُبنى بتوزيع مواقعها، وإنما ببناء مؤسسات تجعل المنصب مسؤولية، لا غنيمة.
الخرطوم 15 سبتمبر 2026

