مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: يرغبون لكن يتمنعون!

يبدو أن مبادرة تهيئة الحوار السوداني ـ السوداني، وما صاحبها من قرارات إيجابية أطلقها رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قد حرّكت مياهًا راكدة في نفوس عدد من الذين غشتهم أماني السلطة من قبل، فراحوا يهاجمون القوات المسلحة وقيادتها ومعركة الكرامة، وكأن طريق السودان إلى المستقبل يمر عبر بوابة الخصومة مع جيشه

الآن، وبعد أن تغيّرت المعادلة، بدأ بعضهم يراجع حساباته في هدوء، ليس اقتناعًا كاملاً، وإنما لأن الريح التي كانوا يراهنون عليها لم تأتِ بما اشتهت سفنهم!

يمكن تقسيم هؤلاء إلى ثلاث فئات، ولكل فئة طريقتها الخاصة في الاقتراب من باب الحوار

الفئة الأولى ما زالت تقف في منتصف التيه القديم، لم تبارحه، بل قابلت المبادرة بالقدح والتشكيك، وكأن الحوار السوداني ـ السوداني جريمة، وكأن الجلوس مع أبناء الوطن يحتاج إلى إذن من الخارج!

هؤلاء يبدو أن الكفيل قد زاد لهم في مال السُّحت، فبدلاً من مراجعة أنفسهم، زادوا في العناد، وذهبوا في غيّهم يعمهون، يكررون ذات الخطاب والاتهامات والأسطوانة التي حفظها الناس حتى ملّوا منها قبل أن تنتهي!

أما الفئة الثانية، فهي الأكبر عددًا، وبدأت تدرك أن القطار تحرك، وأن الوقوف على الرصيف لن يجعلها جزءًا من الرحلة، هؤلاء من الصف الثاني، يراقبون المشهد من بعيد، ويريدون العودة، لكنهم لا يريدون أن يدفعوا ثمنها!

يقفون خلف الرقراق، يمدون أعناقهم بحذر، وينظرون إلى الداخل: هل الباب مفتوح؟ هل يمكن أن نأتي؟ هل هناك من يقول لنا: تعالوا؟

يريدون العودة إلى المشهد دون أن يقولوا لماذا خرجوا منه، ويريدون أن يُفتح لهم الباب دون أن يطرقوه، ويريدون صفحة جديدة دون أن يعترفوا بأن الصفحة القديمة كانت مليئة بالأخطاء

أما الفئة الثالثة، فهي فئة (زعيط ومعيط)! ، أولئك الذين كانت بعض القيادات تمنحهم الفتات وما تبقى من الموائد السياسية، فيظلون في الصف، يصفقون عندما يُطلب منهم التصفيق، ويتحدثون عندما يُسمح لهم بالكلام، ويظنون أن الاقتراب من صاحب القرار يجعلهم من أصحاب القرار!

هؤلاء أشبه بـ (مساعد الياي) ! … لكن حتى هذه المرحلة لم يبلغوا درجة( الياي ) !

ومع ذلك، المشكلة ليست في هؤلاء وحدهم، وإنما في عقلية سياسية ظلت تتعامل مع الوطن كأنه غنيمة، والسلطة كأنها راتب مستحق، والحوار كأنه طريق مختصر إلى كرسي!

وهنا تأتي أهمية قول البرهان إن هذا الحوار ليس من أجل مكاسب سلطة، وإنما هو خارطة طريق للتعافي الوطني.

فليعلم كل منخرط فيه: إن جئت بحثًا عن كرسي أو مكسب أو موقع فقدته، فراجع نفسك. فهذا الحوار يختلف عن الحوارات السابقة؛ ليس سوقًا للمناصب ولا مزادًا لتوزيع الغنائم

إنه محاولة للخروج بالسودان من مستنقع الحرب والانقسام إلى وطن يتسع للجميع، ودولة تستعيد عافيتها، ومشروع وطني لا يُكتب بأقلام الوكلاء ولا يُملى من غرف الآخرين

من أراد أن يأتي، فليأتِ بقلبه وعقله ووطنيته، لا بقائمة مطالب في جيبه، ومن أراد أن يعود، فليعد إلى السودان أولاً، لا إلى السلطة. ومن أراد المشاركة، فليضع مصلحة الوطن فوق مصلحة الجماعة، ومستقبل السودان فوق أحلام الكراسي

أما الذين يقفون خلف الرقراق، يريدون الاقتراب لكن يخافون أن تُرى خطوتهم، فأقول لهم: لا داعي لكل هذا التمنّع!

فالعودة ممكنة، والمراجعة مطلوبة، والاعتراف بالخطأ فضيلة، لكن بشرط واحد: أن تكون العودة إلى الوطن، لا إلى المغانم

إنى من منصتي أنظر… حيث أرى…. أن قطار الحوار تحرك، وأن الذين كانوا بالأمس يرمون الحجارة على عرباته، أصبحوا اليوم يبحثون عن مقعد داخله. فليحسموا أمرهم: إما أن يركبوا قطار الوطن بقلوب صادقة، أو يظلوا خلف الرقراق يلوّحون له… فالقطار هذه المرة لن يعود إلى المحطة من أجل أحد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى