كوستي والحلم الكبير بالمستشفى التعليمي.. منظمة إعمار .. حين يصبح الوطن مسؤولية الجميع

تقرير: سراج الدين مصطفى
كوستي ذاكرة العمر:
الباشمهندي النجومى الطيب بشري .. كوستي بالنسبة له ليست مجرد مدينة عاش فيها سنوات طفولته ثم غادرها بل هي الأم التي احتضنته وصنعت بداياته الأولى ومنها انطلق إلى العالم دون أن تنقطع صلته بها فقد درس في مدرسة نمرة تسعة المعروفة حاليا بجملون ثم مدرسة النصر المعهد سابقا ثم واصل دراسته في كوستي القوز التي أصبحت جامعة الإمام المهدي لاحقا وعندما هاجر إلى الولايات المتحدة في منتصف الثمانينيات حمل كوستي داخله وظل يرى فيها جزءا أصيلا من تكوينه الشخصي والاجتماعي ويؤكد أن الغربة لم تستطع اقتلاع جذوره بل جعلته أكثر إدراكا لقيمة المدينة وأهلها وكرمهم وروابطهم الاجتماعية الممتدة وقد التقى خلال سنوات الغربة عددا كبيرا من أبناء كوستي في الولايات المتحدة ووجد بينهم الشعور نفسه بالفخر والانتماء والتكاتف من أجل أهلهم ووطنهم وكان يرى في مبادراتهم امتدادا لنهج رواد كوستي في العمل العام والعطاء ويستشهد بأسماء كثيرة من أبناء المدينة الذين ظلوا قريبين من مجتمعهم رغم المسافة ومن أجمل ما يلخص هذه العلاقة أبيات الشاعرة مواهب ركاب عن كوستي التي يراها تعبيرا عن وجدان جيل كامل غاب بالجسد لكنه ظل حاضرا بالقلب والذاكرة والحنين.

الغربة لم تقطع:
حرص خلال سنوات وجوده في الولايات المتحدة على نقل إحساس الانتماء إلى أبنائه نفيسة ومحمد وعبد الله الذين ولدوا في الغربة وكان حريصا على تعريفهم بأن كوستي هي مدينتهم في السودان وأن الوطن لا تحدده جغرافيا الميلاد وحدها كما شارك في العمل العام وسط الجالية السودانية في مدينة ريتشموند التي تشرف برئاسة جاليتها وكان يؤكد دائما أن أبناء كوستي في المهجر قادرون على تقديم دعم حقيقي لمدينتهم ومن هذه الفكرة شارك مع الدكتور خالد محمد أحمد بانقير ومعتصم إسماعيل محمد نور وحاج التوم الخير بله وآخرين في تأسيس سودان ريليف كجسم اعتباري للعمل الخيري ثم تطورت فكرة التواصل بين أبناء كوستي في الولايات المتحدة بعدما أنشأ الطيب ود الحاجة مجموعة عبر واتساب لجمع أبناء المدينة وتقوية صلاتهم وشارك في تطويرها حسن حاج علي ومحمد بنزين وصلاح قمر ونجلاء بنت ست زكية والأستاذ محمد الحسن وغيرهم ومن تلك الروح انتقلت الفكرة إلى العمل المؤسسي ثم جاء مشروع إعمار ليحمل التجربة إلى مرحلة أكثر اتساعا ويحول الرغبة في مساعدة الناس إلى مشروعات عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة والتوثيق بما يعزز الثقة ويشجع المزيد من الداعمين على المشاركة.

من التواصل للمؤسسة:
كانت إحدى أولى التجارب التي كشفت حجم الاحتياج في كوستي مرتبطة بمدرسة تعاني فيها الطالبات من غياب دورات المياه حيث أخبرهم مالك التاج الذي يرأس نادي المريخ حاليا بالظروف الصعبة التي تواجهها الطالبات واضطرار بعضهن لقضاء حاجتهن في العراء وكانت تلك المعلومة كافية لتحريك أبناء كوستي في المهجر فتم جمع الدعم وبناء ثماني دورات مياه وترميم عدد من الفصول والسور وتوفير بعض المقاعد والمستلزمات التعليمية ومن هذه التجربة خرجوا بقناعة مهمة وهي أن المشروع الناجح لا يكتفي ببناء المنشأة وتسليمها بل يشرك المستفيدين في العمل حتى يشعروا بملكية المشروع ويحافظوا عليه ويضمنوا استمراره ومع اندلاع الحرب تغيرت طبيعة الاحتياجات وأصبحت الاستجابة الإنسانية العاجلة أولوية واضحة فتحولت الجهود إلى دعم المطابخ المركزية والتكايا ومساعدة النازحين والأسر التي فقدت مصادر دخلها أو مساكنها واستمر الدعم عبر السنوات التالية كما شاركت سودان ريليف في مبادرة كلنا وليد التي اهتمت بأسرى القوات المسلحة والشرطة الذين أفرج عنهم من سجون الدعم السريع ثم جاءت منظمة إعمار لتوسع نطاق العمل وتنفذ مشروع الأضاحي في الخرطوم وولاية النيل الأبيض مستهدفة الأسر الأكثر احتياجا.

العودة إلى السودان:
بعد خمسة وعشرين عاما من العمل في شركة الاتصالات العالمية كومكاست وصل إلى مرحلة التقاعد الاختياري وبدأ يفكر مع أسرته في الانتقال إلى مكان أقرب إلى السودان الذي ظل حاضرا في خططهم وحياتهم توقف لفترة في مصر وناقش إمكانية الاستقرار هناك لكن الحنين إلى السودان كان أقوى فقرر العودة برفقة صديقه الصادق صديق المستشار الأممي واتجه إلى السودان ليبدأ مرحلة جديدة من حياته يرى أنها تقوم على توظيف خبرات سنوات الغربة والعمل في خدمة بلده وأهله ويقول إن العودة لم تكن مجرد تغيير مكان للإقامة بل كانت انتقالا من مراقبة الأوضاع من بعيد إلى محاولة المشاركة في صناعة الحل ولو بقدر محدود عبر العمل الطوعي والمؤسسي وجاء تأسيس إعمار استجابة للتحولات التي فرضتها الحرب وللحاجة إلى الانتقال تدريجيا من الإغاثة إلى إعادة البناء فالدمار لم يصب المباني وحدها وإنما طال الإنسان والمؤسسات والخدمات الأساسية ولذلك اختارت المنظمة اسما يعبر عن مرحلة السودان الجديدة وهو إعمار والاسم بحسب حديثه لم يكن قرارا فرديا بل اختارته الجمعية العمومية لأنه يلخص رؤية المنظمة في مساعدة المجتمعات المتضررة على استعادة قدرتها وبناء مستقبلها.

إعمار فكرة المرحلة:
تعمل إعمار في ظروف استثنائية تجعل العمل الإنساني محتاجا إلى سرعة واستجابة من جهة وإلى التخطيط والتنظيم من جهة أخرى ولذلك تعتمد المنظمة على معرفة الاحتياجات الفعلية في المناطق المستفيدة قبل تصميم المشروعات وتحاول إشراك المبادرات المحلية والشركاء الموجودين على الأرض لأن أبناء المجتمعات هم الأكثر معرفة بتفاصيل احتياجاتها كما تحرص على أن تكون المشروعات واقعية وقابلة للتنفيذ في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية المعقدة وترى أن العمل الإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى توزيع مساعدات فقط بل يجب أن يساعد المجتمع على استعادة قدرته على الاعتماد على نفسه ولهذا تسعى إلى بناء شراكات طويلة الأجل مع المبادرات والمنظمات الوطنية والجهات الداعمة داخل السودان وخارجه وحرصت المنظمة على توثيق أعمالها وإنجازاتها عبر موقعها الإلكتروني https://www.eimaar.org حتى يتمكن الداعمون والمتابعون من معرفة أثر مساهماتهم والاطلاع على المشروعات المنفذة ومسارات العمل وتفاصيل المبادرات ويرى القائمون على إعمار أن التوثيق ليس مجرد واجهة إعلامية بل عنصر أساسي في بناء الثقة وتشجيع الناس على مواصلة الدعم وتوسيع دائرة المشاركة ويعكس الموقع رغبة المنظمة في تطوير العمل الطوعي من مبادرات متفرقة إلى مؤسسة لديها رؤية وبرامج وشراكات وأهداف يمكن متابعتها.

مشروعات تتجاوز الإغاثة:
تتركز برامج إعمار في ثلاثة مسارات رئيسية تشمل التعليم والصحة والاستجابة الإنسانية ففي التعليم بدأت التجربة بتحسين البيئة المدرسية من خلال دورات المياه وترميم الفصول والأسوار وتوفير بعض المستلزمات وفي الجانب الإنساني دعمت المطابخ المركزية والتكايا وساهمت في مساعدة النازحين والأسر المتضررة كما نفذت مشروع الأضاحي في الخرطوم وولاية النيل الأبيض للوصول إلى الأسر الأكثر احتياجا أما في الصحة فإن الرؤية تتجاوز تقديم العلاج المؤقت إلى المساهمة في بناء مؤسسات صحية مستدامة ولذلك يظل مشروع المستشفى التعليمي في كوستي أحد الأهداف الكبرى التي تسعى المنظمة إلى الوصول إليها عبر شراكات واسعة تجمع أبناء المدينة والأطباء والمهندسين ورجال الأعمال والداعمين في الداخل والمهجر وفي مشروع توزيع لحوم الأضاحي حرصت المنظمة على أن يكون اختيار المستفيدين قائما على الحاجة الفعلية لا على المعرفة الشخصية أو العلاقات واعتمدت على المعلومات التي تقدمها الجهات والمبادرات المحلية وعلى معرفة المتطوعين بالأسر الأكثر احتياجا وشملت الأولويات الأسر التي فقدت مصادر دخلها والنازحين والأرامل والأيتام ومن يعيشون في ظروف اقتصادية وإنسانية صعبة وكانت البسمة التي ظهرت على وجوه الناس أكبر عائد للمشروع لأن الأضحية كانت بالنسبة لهم رسالة تؤكد أن الناس ليسوا وحدهم.
الصحة والتعليم أولوية:
وجدت المنظمة في المناطق التي تعمل فيها بين الخرطوم وكوستي أن احتياجات المواطنين تتجاوز الغذاء والدواء فقد أثرت الحرب على التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي وفرص العمل وأجبرت أسر كثيرة على النزوح أكثر من مرة كما انقطعت الدراسة عن أطفال وفقدت أسر مصادر دخلها وأصبح الوصول إلى العلاج تحديا يوميا لكن المشهد الآخر الذي لفت الانتباه هو قدرة المجتمع على الصمود والتكافل فقد وجد المتطوعون في مناطق عديدة يعملون بإمكانات محدودة وبإرادة كبيرة ومن هنا ترسخت قناعة لدى المنظمة بأن دورها ليس الحلول محل المجتمع وإنما دعم قدرته الموجودة وتوفير الموارد والأدوات التي تساعده على القيام بدوره بصورة أفضل ويرى القائمون على إعمار أن إعادة تأهيل المدارس والمرافق الصحية لا تتعلق بالمباني وحدها فالمدرسة تحتاج إلى بيئة مناسبة ومياه ودورات مياه وفصول ومقاعد كما تحتاج المؤسسة الصحية إلى معدات وأدوية وكوادر وأنظمة تشغيل تضمن استمرار الخدمة ولذلك تسعى المنظمة إلى النظر للمشروعات بصورة متكاملة أما مشروع المستشفى التعليمي في كوستي فيمثل رؤية أوسع تجمع بين تقديم الخدمة الصحية وتدريب الكوادر وبناء مؤسسة يمكن أن تخدم المدينة والمناطق المحيطة بها وتؤكد المنظمة أن هذا المشروع يحتاج إلى شراكة واسعة وليس إلى جهد فردي.

مشروعات المرحلة المقبلة:
تستعد إعمار لمواصلة دعم التعليم وتحسين البيئة المدرسية ودعم المبادرات الصحية ومساعدة الأسر الأكثر احتياجا والنازحين مع العمل على تطوير برامج أكثر استدامة ومن بين المشروعات المطروحة مشروع الكفالة المجتمعية ومشروع كفالة الأيتام ومشروعات مدرة للدخل للأسر الضعيفة والمتعففة ومشروع بناء القدرات للشركاء والجهات ذات الصلة إلى جانب مشروعات صديقة للبيئة وتسعى المنظمة في الوقت نفسه إلى تطوير برامجها الصحية وصولا إلى مشروع المستشفى التعليمي في كوستي وترى أن نجاح هذه الرؤية يتطلب مشاركة أبناء كوستي والسودان في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج وأستراليا وغيرها كما تحتاج إلى أطباء ومهندسين ورجال أعمال ومتخصصين يمكنهم تقديم الخبرة أو التمويل أو العلاقات أو الوقت ضمن شبكة شراكات واسعة ويقول صاحب التجربة إن الوطن مسؤولية الجميع وليس مسؤولية الحكومة أو المنظمات وحدها فالحرب أظهرت أن حجم الاحتياجات أكبر من قدرة أي جهة منفردة وأن المجتمع يستطيع حين يتكاتف أن يصنع أثرا حقيقيا ويرى أن السوداني في الداخل يستطيع خدمة وطنه بعمله وتطوعه وحفاظه على مجتمعه بينما يستطيع السوداني في الخارج المساهمة بخبرته وماله وعلاقاته ووقته ولذلك جاءت إعمار كفكرة تقوم على الإنسان والأمل والخطوة الصغيرة التي يمكن أن تتحول مع الآخرين إلى مشروع كبير.

