مقالات

الإعلامية حجازية محمد سعيد تكتب: حين رأيتُ المولد بعينٍ أخرى.. تجديد العهد بحب المصطفى

لأول مرة في حياتي، أجد نفسي حاضرة في اليوم الختامي لاحتفالات المولد النبوي الشريف، ولم أكن أعلم أن مشهداً كهذا يمكن أن يترك في القلب كل هذا الأثر.

كان شعوراً جميلاً، مختلفاً، عميقاً… شعوراً أيقظ في داخلي هياماً وزاده شوقاً إلى حبيبنا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.

وأنا أرى تلك الجموع الكبيرة التي احتشدت حباً في رسول الله صلى الله عليه وسلم، شعرت أن المولد ليس مجرد مناسبة تمر في التقويم، وإنما مساحة تتجدد فيها مشاعر المحبة، وتلتقي فيها القلوب على ذكر النبي الكريم والصلاة والسلام عليه.

ما لفت انتباهي أكثر تلك التفاصيل التي صنعت للمشهد جماله الخاص؛ المدائح النبوية، والحلوى، والأطفال الذين يملؤون المكان فرحاً وبراءة، وكأن المناسبة تقول لنا إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست شعوراً نحتفظ به لأنفسنا، بل قيمة نزرعها في قلوب الأجيال.

وهنا، في رأيي، تكمن إحدى أجمل صور المولد؛ أن يرى الطفل أسرته ومجتمعه يحتفون بذكرى النبي صلى الله عليه وسلم، فينشأ وهو يعرف أن لهذا النبي العظيم مكانة لا تشبهها مكانة، وأن سيرته وأخلاقه ورسالته جزء أصيل من دينه وهويته.

إنها لحظة لتجديد العهد… عهد المحبة والاقتداء، وعهد أن تبقى سيرة المصطفى حاضرة في البيوت والقلوب، وأن نربط أبناءنا بدينهم من خلال المحبة قبل الوعظ، ومن خلال القدوة قبل الكلمات.

وفي الوقت نفسه، فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكتمل بمجرد الاحتفال بذكراه، وإنما تظهر في سلوكنا وأخلاقنا ومعاملاتنا. فإذا وجدنا في هذه المناسبات أو في حياتنا اليومية سلوكاً سيئاً، أو تصرفاً لا يليق بأخلاق المسلم، وألا نأتي ببدعة وضلالة فالأولى أن نتركه ونراجعه، لأن أعظم ما يعبّر عن حب المصطفى هو الاقتداء به.
فمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم، فليكن صادقاً في حديثه، أميناً في معاملته، رحيماً بالناس، متسامحاً، حافظاً لحقوق الآخرين، بعيداً عن الأذى والخصومة والإساءة. فالمولد الحقيقي الذي يبقى أثره ليس في زينة المكان فقط، وإنما في أخلاق الإنسان بعد أن تنتهي المناسبة.
وقد يختلف الناس حول بعض صور الاحتفال بالمولد، فمنهم من يراه من الأمور المختلف فيها شرعاً، ولكل فريق اجتهاده ورأيه. وأنا هنا لا أضع نفسي في مقام من يفصل في الحلال والحرام، وإنما أتحدث عن ذلك الشعور الجميل الذي عشته وأنا أرى الناس مجتمعين على ذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أما المدائح التي تحرك الأشواق، وتذكر الناس بسيرة النبي وأخلاقه، وتوقظ في القلب الحنين إلى الحبيب، فأقول عنها بكل محبة: مرحباً بكل كلمة تذكرنا برسول الله، ومرحباً بكل صوت يوقظ فينا محبته، ما دام ذلك في إطار ما يرضي الله ولا يشتمل على ما يخالف شرعه.
لقد خرجت من اليوم الختامي للمولد وأنا أشعر أنني لم أحضر احتفالاً فحسب، بل عشت لحظة أعادت ترتيب شيء جميل في داخلي.

لحظة جعلتني أكثر شوقاً إلى الحبيب، وأكثر رغبة في أن تكون محبته سلوكاً نعيشه، لا مجرد كلمات نقولها.

فيا حبيب الله، يا رسول الرحمة، يا من أشرقت برسالتك الدنيا، نسأل الله أن يرزقنا محبتك، واتباع سنتك، وحسن الاقتداء بأخلاقك، وأن يجعل هذه الذكرى سبباً في إصلاح نفوسنا، وترك كل سلوك سيئ، والعودة إلى الله بقلوب صادقة.

وكل عام وأنتم بخير، وكل عام ونحن إلى الله أقرب، وبسنة نبيه أتمسك، وبأخلاقه نهتدي.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى