الإعلامية حجازية محمد سعيد تكتب حين نزف الوطن.. من صمد مع الشعب ومن غادر الميدان؟ الأزمة عالمية وليست في السودان وحده

في الوقت الذي يخوض فيه السودان معركة مصيرية دفاعاً عن أرضه وسيادته، يواجه العالم بأسره أزمة اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على مختلف الدول والشعوب، ولم يكن السودان استثناءً منها، بل زادت الحرب وتداعياتها من قسوة الأوضاع على مواطنيه. ومع ذلك، تتصاعد الحملات السياسية والإعلامية ضد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. وهنا يحق لكل سوداني أن يطرح سؤالاً لا ينبغي الهروب منه: أين كان الجميع حين كان الوطن ينزف، ومن بقي في قلب المعركة ومن اختار الابتعاد عن وجع الشعب؟.
ليست القضية أن نمنح أحداً صك براءة، أو أن نغلق باب النقد والمحاسبة، فالسودان أكبر من الأشخاص والكيانات السياسية جميعها. لكن من حق الشعب أن يسأل عن المواقف، وأن يقارن بين من ظل في البلاد يواجه تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية العالمية، ومن يمارس السياسة من الخارج، بعيداً عن معاناة ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم وأمنهم وأرزاقهم.
إن انتقاد البرهان حق سياسي، لكن السؤال الأهم: هل تهدف هذه الحملات إلى إنقاذ السودان واستعادة أمنه ووحدته، أم أنها مجرد صراع على السلطة والنفوذ؟ فالوطن الذي مزقته الحرب، وأثقلته أزمة اقتصادية عالمية تعاني منها شعوب كثيرة، لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مواقف صادقة تضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الحزبية.
ومن هنا، فالأمر ليس انتقاداً عابراً، بل محاولة واضحة للنيل من الرجل ومن المؤسسة العسكرية في وقت يحتاج فيه السودان إلى التماسك. وعلى الذين يروّجون لهذه الحملات أن يسألوا أنفسهم: هل يملكون الشجاعة للعودة إلى البلاد ومواجهة شعبها، أم يكتفون بإطلاق الاتهامات من الخارج؟ وهل يريدون حقاً حماية الوطن، أم إعادة إنتاج الانقسام وتمزيق ما تبقى من وحدته؟ إن الشعب لا يحتاج إلى حملة تقول له «اتركنا»، بل إلى من يقول له «نحن معك» ويثبت ذلك بالفعل.
أما الذين باعوا مواقفهم من أجل مصالح شخصية، أو سعوا إلى مكاسب ومنافع لهم ولأسرهم، فلا يحق لهم أن يقدموا أنفسهم أوصياء على الوطنية. فالسودان لا يحتاج إلى عملاء أو خونة أو مرتزقة
يتاجرون بمعاناة شعبه، بل إلى رجال صادقين يضعون مصلحة البلاد فوق اللقمة والمأوى والمكاسب الخاصة، ويتحملون مسؤولية مواقفهم أمام الناس والتاريخ.
السودانيون لا تحسم مواقفهم الضوضاء الإعلامية، بل تحسمها الأفعال والتضحيات والصدق مع الوطن. والتاريخ لا يكتبه أصحاب الحملات وحدهم، بل تكتبه ذاكرة شعب رأى وعايش ودفع الثمن من دمه وبيته ومستقبله.
سيبقى السؤال قائماً أمام الجميع: عندما كان السودان ينزف، وفي ظل أزمة اقتصادية عالمية طالت الجميع، من وقف مع شعبه، ومن تركه يواجه المأساة؟ الإجابة لن تكون بالشعارات، وإنما بالمواقف التي لا يستطيع الزمن محوها.

