مقالات

الدكتور محمد عوض محمد متولى يكتب: السودان .. من سجون التخلف إلى مخازن الوفرة: ثورة الوعي الزراعي قبل بذر الأرض

نقف اليوم في مأتم الفُرَص لا لنعدد المآسي، بل لنستدعي ضميراً غائباً عن الحقول والقرارات معاً. بين يدَي وطن تموت أرضه شبعاً ويموت إنسانه جوعاً تبرز الحقيقة العارية التي طال تجاهلها في السياسات العامة بالسودان: لم تكن محنتنا الكبرى يوماً في شح الماء ولا في قحط الأرض، وإنما في أننا بتنا نحرس كنوزاً مائية وأرضية لا عد لها ثم اخترنا أن ننام عليها، فاستيقظنا على واقع يضعنا في ذيل الأمم إنتاجاً وتقانة. ليس مؤلماً أن يتأخر المطر، فالمطر مواسم تدور والأرض تعرف كيف تصبر، لكن المؤلم حقاً أن يتأخر الوعي، وأن يغيب العقل التنموي والتقني عن موعده لعقود بينما صبرت الهكتارات البور وصبر الشريط النيلي الممتد صبر الكرام.

وفي هذا السياق يجيء تدشين “البرنامج الوطني لبناء القدرات للقطاع الزراعي” بحضور وزيري الزراعة والثروة الحيوانية ومدير المنظمة العربية للتنمية الزراعية، لا كحدث بروتوكولي نختتمه بعبارات التهنئة، بل كإستدعاء طارئ للمكاشفة وجرس إنذار. فالسماء لم تبخل بقطرة يوماً، والأرض لم تضن بحبة، ولكن غياب الوعي لدى صناع القرار، وتأخر التثقيف الزراعي الحديث لدى المزارع الذي يقوم على كتفه أكثر من 70% من السكان، هو الذي قلب الوفرة عجزاً والإمكانات سراباً. إن أزمتنا لم تكن يوماً في شُحّ الموارد، بل في عُقم الإدارة وفي فجوة العقل التكنولوجي. كيف لبلد يمتلك أعتى المشاريع المروية وأوسع المساحات المطرية المعطاءة أن يبقي عصب إنتاجه مكبلاً بأساليب بدائية أكل الدهر عليها وشرب؟ لقد انشغلنا بتشييد الحجر ورصف الطرق والجدران، ونسينا أن وعي الإنسان بالأرض هو الذي يطعم الحجر ويطعم البشر. والشواهد العالمية حاضرة ودالة، فما صنعته البرازيل عبر “إيمبرابا” وما أنجزته إثيوبيا وغيرها بربط البنى التحتية المائية بمنظومات زراعية حديثة يؤكد أن الدول التي استثمرت في عقل المزارع قبل الأرض قفزت عشرين سنة في خمس سنوات فقط. فهل نستلهم التجربة أم نصر على إعادة اختراع العجلة؟

إن النهضة التي يحتاجها سودان ما بعد الحرب ليست إعادة إعمار للمباني فحسب، بل هي قبل ذلك ثورة وعي زراعي تتدارك ما فات، وتغرس التقانة العصرية في عقل المزارع قبل أن تُغرس البذرة في التراب.

وهنا تفرض سورة يوسف عليه السلام نفسها علينا لا بوصفها سرداً تاريخياً، بل كنموذج إداري استراتيجي متكامل للتعامل مع وفرة اليوم وأزمة الغد. عندما قال يوسف الصديق للملك: “قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ”، لم يقدم مجرد تنبؤ بالمطر والجفاف، بل قدم منظومة حكم رشيد قامت على ثلاثة محاور لا تزال صالحة لكل زمان: التشخيص العلمي المسبق، والتخطيط الاستباقي المحكم، وبناء القدرات المؤسية الرصينة. كان التشخيص في قراءة السنوات السبع العجاف قبل وقوعها، وكان التخطيط في قوله “فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ” أي في الحفظ الأمثل للمحصول وتقليل الفاقد، وكان بناء القدرات في طلبه “اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” فجمع بين الأمانة والعلم. هذا هو بالضبط المفتاح الذي نفتقده اليوم: حفيظ يصون الموارد وعليم يوظف التقانة. فما قيمة المطر وشريط النيل إذا لم يسندهما وعي يواكب القرن الحادي والعشرين؟

إن التقاء هذا الثالوث التنفيذي والإقليمي: وزارة الزراعة، وزارة الثروة الحيوانية، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، في هذه اللحظة هو بمثابة المحاولة الأخيرة لتدارك الوعي المتأخر وتحويله من نية إلى أثر ميداني. ولبلوغ ذلك لابد من خارطة طريق منهجية وعلمية وعملية لا تحتمل التأجيل. أولاً على مستوى الإنسان: إطلاق برنامج قومي للتثقيف الزراعي الرقمي يعتمد على 1000 مرشد زراعي مدرب على نظم الري الذكي والزراعة الدقيقة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في رصد الآفات والتنبؤ بالجفاف، ولم يعد ذلك ترفاً فالتقانة اليوم قادرة على قراءة خصوبة كل فدان من الفضاء والتنبؤ بالمناخ قبل 6 أشهر، على أن يصل كل مرشد إلى 200 مزارع خلال 18 شهراً. ثانياً على مستوى التقانة: إنشاء 5 مراكز إقليمية للابتكار الزراعي تربط الجامعات بالبنوك بشركات التقانة الحيوية، وتعمل على توطين حلول منخفضة التكلفة كالطاقة الشمسية للري والبذور المحسنة المقاومة للجفاف. ثالثاً على مستوى التمويل: ربط البرنامج بآلية تمويل أصغر مشروطة بالتدريب والالتزام بالحزم التقنية، مع ضمانات حكومية لاستعادة الثقة بين البنوك والمزارعين على غرار ما دعت إليه مقالات “إعادة بناء شريان الحياة”. رابعاً على مستوى الأسواق: إنشاء بورصة سلعية زراعية وربطها بمخازن استراتيجية تدار وفق منطق يوسف “فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ” لتقليل الفاقد بعد الحصاد الذي يبلغ اليوم أكثر من 30%. خامساً على مستوى القياس: وضع مؤشرات أداء واضحة وقابلة للتحقق: زيادة الإنتاجية بنسبة 40%، وخفض الفاقد إلى أقل من 10%، وخلق 500 ألف فرصة عمل غير مباشرة في سلاسل القيمة الزراعية خلال 3 سنوات.

لقد تأخر الوعي كثيراً وحان الوقت ليتدارك الزمن. فإما أن يتجسد هذا البرنامج في الحقول والمراعي ثورة تثقيف وإنتاج، وإما أن نعترف جهاراً بأننا أهلكنا الأرض قبل أن ينقطع المطر. إن الخيار ليس بين الزراعة وغيرها، بل بين أن ندير الوفرة بعقل يوسف فنحول سبع سنوات السمن إلى مخازن للأمة، أو أن نتركها فتتحول إلى سبع عجاف نأكل فيها بعضنا. إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى إرادة سياسية تدرك أن الأمن الغذائي هو أصل الأمن القومي، وإلى يد تزرع التقانة قبل البذرة، وإلى عقل “حفيظ عليم”.

وخاتمة القول أن الطريق يبدأ بقرار عاجل بثلاثة أمور: اعتماد ميزانية طوارئ للوعي الزراعي، وإعلان عام 2027م عام التثقيف الزراعي الرقمي، وتشكيل مجلس أعلى للسياسات الزراعية برئاسة رئيس الوزراء. فإذا أردنا أن نخرج من سجون التخلف إلى مخازن الوفرة، فلا بد أن نستحضر وصية الحكمة الأولى في إدارة الموارد: *”اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ”*.

*المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى