مقالات

بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: إنقاذ التعليم العالي في السودان: من أجل تعليق قرار إغلاق المراكز الخارجية ودعم الجامعات والمؤسسات

السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي،
تحية طيبة وبعد،

إن مؤسسات التعليم العالي في السودان تعيش اليوم واحدة من أخطر اللحظات في تاريخها. فبعد الدمار الذي أصاب البنية التحتية، وتضرر المختبرات والقاعات والمكتبات والمراكز البحثية، لم يبق أمام الجامعات الحكومية والخاصة إلا القليل من القدرة على الاستمرار. وفي هذا الظرف الدقيق، صدر قرار بإغلاق مراكز الجامعات والمؤسسات التعليمية خارج السودان. إن هذا القرار، إذا نُفذ بهذه الصورة، لن يعالج الأزمة، بل سيزيدها تعقيداً، وسيقطع أحد أهم الشرايين التي تمد التعليم العالي بالحياة.

إن المراكز الخارجية ليست ترفاً إدارياً، ولا مجرد فروع بعيدة عن الوطن. إنها نوافذ السودان على العالم، ومصادر مهمة للعملات الأجنبية، ووسائل لجذب الطلاب الدوليين، وبوابات للشراكات الأكاديمية والبحثية، ومنصات للاعتماد الدولي. ومن خلالها تستطيع الجامعات السودانية أن تحصل على معدات ومختبرات وبرامج وتدريب لا تتوفر داخل البلاد. كما أنها تمثل ملاذاً للكفاءات السودانية في الخارج، وفرصة لربط المغتربين بالوطن، وتحويل جزء من قدراتهم وخبراتهم ومواردهم إلى دعم مباشر للتعليم والبحث العلمي.

إن المشكلة الكبرى اليوم ليست في وجود هذه المراكز، بل في غياب التمويل، وانعدام العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية، وجسامة الضرائب والرسوم الجمركية على الواردات.

فالجامعة التي فقدت مختبراتها لا تستطيع أن تعيد بناءها إلا عبر استيراد أجهزة دقيقة ومواد كيميائية وقطع غيار ومستلزمات طبية وهندسية وزراعية. وهذه المواد لا تُشترى من السوق المحلي بسهولة، وإذا وُجدت فإن أسعارها تكون مضاعفة، وقد لا تكون مطابقة للمواصفات. وإذا لجأت الجامعة إلى الاستيراد، اصطدمت بتعقيدات النقد الأجنبي، وارتفاع الرسوم الجمركية، وطول الإجراءات، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. وفي النهاية، تدفع الجامعة الثمن من مواردها الشحيحة، أو تتوقف عن التجديد، أو تُغلق أبوابها.

إن استمرار هذا الوضع يعني أن الجامعات الحكومية والخاصة تتجه نحو الانهيار التدريجي. فالجامعات الحكومية مثقلة بالتزاماتها، وتعاني نقص التمويل، وتحتاج إلى دعم عاجل. والجامعات الخاصة، بدورها، تواجه ضغوطاً مالية كبيرة، لأنها تعتمد على الرسوم الدراسية، في وقت تراجع فيه قدرة الأسر على الدفع، وارتفعت فيه تكاليف التشغيل. وإذا أُغلقت المراكز الخارجية، فسوف تفقد هذه الجامعات مصدراً مهماً للعملة الأجنبية، وتفقد قدرتها على جذب الطلاب، وتفقد شراكاتها الدولية، ويزداد نزيف الكفاءات. وهكذا، بدلاً من أن يُعالج القرار أزمة العملة، فإنه سيزيد الطلب على العملة الأجنبية، ويقلل مصادرها، ويدفع المؤسسات إلى مزيد من العجز.

إن الحل ليس في الإغلاق، بل في التنظيم والرقابة والدعم. إذا كانت هناك مخاوف قانونية أو إدارية أو مالية بشأن المراكز الخارجية، فيجب معالجتها من خلال التراخيص المشروطة، والتدقيق المالي، ولوائح الحوكمة، ومعايير الجودة، ومكافحة غسل الأموال، وربط هذه المراكز بالخطة الاستراتيجية للوزارة. أما الإغلاق الشامل فهو قرار متسرع، يضر بالمؤسسات، ويشجع على انتقال الطلاب إلى جامعات أخرى، ويضعف السمعة الأكاديمية للسودان، ويحرم البلاد من موارد وشراكات كان يمكن أن تكون جزءاً من الحل.

وعليه، فإنني أدعو معاليكم إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة، من أهمها:
أولاً، تعليق قرار إغلاق المراكز الخارجية لمدة اثني عشر إلى ثمانية عشر شهراً، مع إعادة تقييم شاملة للوضع، ووضع ضوابط واضحة للعمل، بدلاً من الإغلاق المفاجئ. إن التعليق يمنح الجامعات فرصة لترتيب أوضاعها، ويحفظ لها مواردها، ويمنع انقطاع البرامج والطلاب.

ثانياً، إنشاء نافذة طارئة للعملات الأجنبية، بالتنسيق بين وزارة التعليم العالي ووزارة المالية والبنك المركزي، لتوفير العملة اللازمة لاستيراد المعدات والمختبرات والمستلزمات العلمية والطبية والهندسية والزراعية. ويجب أن تكون هذه النافذة سريعة وشفافة ومحددة الأولويات، لا أن تتحول إلى إجراءات بيروقراطية جديدة.

ثالثاً، إعفاء المعدات والمواد العلمية والكتب والبرامج والمستلزمات البحثية من الضرائب والرسوم الجمركية، أو تخفيضها إلى الحد الأدنى. فليس من المنطقي أن تدفع الجامعة ضرائب باهظة على جهاز علمي تحتاجه لإنقاذ حياة طالب أو إنجاز بحث أو تشغيل مختبر. ويمكن إنشاء مسار أخضر في الجمارك للمواد التعليمية والبحثية، مع تسهيل الإجراءات وتقليل زمن الإفراج.

رابعاً، تبني نظام الشراء المركزي بين الجامعات، بحيث تشتري الوزارة أو اتحاد الجامعات المعدات والمواد بكميات كبيرة، وبأسعار أقل، وبمواصفات موحدة. هذا النظام يقلل الفساد، ويخفض التكاليف، ويمنع حصول بعض المؤسسات على المعدات بينما تُحرم أخرى.

خامساً، إنشاء صندوق وطني لإعادة إعمار المختبرات والمرافق التعليمية المدمرة، بتمويل من الحكومة والمانحين والقطاع الخاص والمغتربين. ويجب أن يبدأ الصندوق بتقييم دقيق للأضرار، وتحديد الأولويات، ووضع خطة زمنية للتنفيذ.

سادساً، السماح للجامعات بالاحتفاظ بعوائدها من العملات الأجنبية الناتجة عن البرامج الدولية والطلاب الأجانب والمنح والشراكات، وعدم إلزامها بتحويلها بسعر غير عادل. إن هذه العوائد تمثل وقوداً لتشغيل المختبرات وتحديث المناهج ودعم البحث العلمي.

سابعاً، تشجيع المختبرات المشتركة والمراكز الوطنية النوعية، وتفعيل المختبرات المتنقلة، والمنصات الرقمية، والتعليم الإلكتروني، بحيث تستفيد الجامعات من الموارد المتاحة بدلاً من تكرارها. إن التعاون بين الجامعات يمكن أن يخفف العبء، ويحسن الجودة، ويحفظ القدرات.
ثامناً، تعزيز الشراكات مع الجامعات الدولية والمنظمات المانحة والمغتربين والقطاع الخاص، وتحويل المراكز الخارجية إلى جسر لهذه الشراكات، لا إلى عبء يُغلق. ويمكن لهذه المراكز أن تسهم في جلب المنح، وتدريب الكوادر، ونقل التقنية، وتوفير فرص البحث.

تاسعاً، دعم الجامعات الخاصة والحكومية بإجراءات مالية عاجلة، مثل تسهيلات ائتمانية، وإعفاءات مؤقتة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، حتى لا تنهار المؤسسات التي تخدم آلاف الطلاب.

عاشراً، تشكيل لجنة مشتركة من وزارة التعليم العالي ووزارة المالية والبنك المركزي والجمارك واتحادات الجامعات، تتولى متابعة هذه الإجراءات وتقديم تقارير دورية، واتخاذ قرارات سريعة تحمي التعليم العالي من الانهيار.

السيد الوزير، إن التعليم العالي ليس قطاعاً هامشياً، بل هو رأس المال البشري، ومصنع الكفاءات، وأساس النهضة. وإذا انهارت الجامعات، فلن يتضرر الطلاب وحدهم، بل يتضرر الوطن كله. إن إغلاق المراكز الخارجية في هذا التوقيت سيكون خطأً استراتيجياً، لأنه يزيل مصدراً من مصادر التمويل والشراكة، ويزيد الضغط على العملة الأجنبية، ويضعف الثقة في مؤسساتنا.

إن المطلوب اليوم هو قرار شجاع، لا قرار إغلاق. قرار يحمي المراكز الخارجية وينظمها، ويمنح الجامعات إعفاءات ونوافذ تمويل، ويدعم المختبرات والبحث العلمي، ويوقف نزيف الكفاءات. إنني أطلب من معاليكم عقد اجتماع عاجل مع قيادات الجامعات والمؤسسات التعليمية، وإصدار توجيه واضح بوقف التنفيذ الفوري لقرار الإغلاق، ودراسة البدائل العملية. إن الوقت ضيق، والفرصة تضيق، وإنقاذ التعليم العالي مسؤولية وطنية قبل أن تكون إدارية. أنقذوا التعليم العالي

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى