حاطب ليل.. د.عبد اللطيف البوني يكتب: وما أسوأ أن تكون شعباً…

(1)
ابن عمتنا الأمين أحمد أبو الحسن (اللمين ود ستنا)، رحمة الله تغشاه، كان فاكهة المجالس. أُصيب ذات مرة بألم في الرجل، وشُخِّص بأنه رطوبة، فاستمرت معه طويلاً وأتعبته تعباً شديداً.
قابل ذات مرة في الطريق صديقاً له كانت رجله مبتورة جراء حادث حركة، وكان يمشي بطرف صناعي، بينما كان الأمين يتوكأ على عصا، فقال له: «والله بختك يا فلان، مرتاح لا رطوبة ولا عصاية… بس تركب حديدتك وتدور».
ومثلما ذهب إليه الأمين، ذهبت إليه حبوبة لنا كانت لها سعية كثيرة، فتقوم من الصباح للحليب، وترضيع صغار البهائم، والعلوق، وكل الذي منه. وهي في غمرة انشغالها ومتاعبها، جاءتها التفاتة لجيران لها كانوا لا يملكون أنعاماً، وكان الرجل وزوجته في ضحى النهار يرشفان القهوة، فقالت لنفسها بصوت مسموع: «هلا هلا.. أمانة يا الفقر ما ليك حوبة»، بمعنى أن الإنسان أحياناً يحتاج إلى الفقر، ففيه راحة…
(2)
مناسبة هذه الرمية أنه في هذه الأيام، وفي جلسات الأنس مع الأهل والأصدقاء، تكثر الحكاوي الناتجة من أزمة البنزين. قال أحدهم إن سيارته في الصف لها ثلاثة أيام، وتبادل هو وابنه مراقبتها. وقال آخر إنه، رغم أنه أمضى في الصف يوماً كاملاً، لم يُصب في خزان الوقود (التنك) إلا ثلاثة جوالين، نسبة لارتفاع السعر.
وحكى آخر أنه قطع بنزين على بُعد كيلومترين من البيت، فما كان منه إلا أن أوصلها (دفرة)، وأقسم ألا يخرجها مرة أخرى مهما (نقّت الحاجة)، فالحاجة هي المُصِرّة على أن تكون العربية في حالة عمل.
أما الذين ليس لديهم عربات هذه الأيام، كحالتنا، فقد أخذنا نتبارى في مدح المواصلات العامة من حافلات وهايسات وركشات، خاصة هذه الأخيرة التي أصبحت سيدة الموقف تماماً. أسرفنا في مدح المواصلات العامة بالصح و(بالكضب)، ليس شماتة في أصحاب العربات، ولكن كحوبة من حوبات الفقر، وقد يكون تخفيفاً لآثار الفقد.
فمعظمنا كانوا من الذين نُهبت عرباتهم (حمرة عين) في الحرب الجارية. اتفقنا جميعاً على أن أصحاب العربات ليسوا في نعيم، وبالمقابل، فإن للمواصلات العامة مشاكلها، خاصة الحافلات؛ فتوقيفات شرطة المرور لها كثيرة وغير مبررة، وليس فيها أي مراعاة لحالة البلد المتدهورة.
كما قال أحد السائقين ذات مرة: «يا إخوانا، عليكم الله، الشغال في البلد دي منو بنسبة مية في المية عشان يطالبونا نحن أصحاب الحافلات لتكون حافلتنا مكتملة؟ على الطلاق، نحن بنأكل من سنامنا».
وقال شارحاً ذلك: «يا جماعة، الحافلة دي في نهاية السنة سعرها بنقص قريب الـ25%، وهسي أنا سايقها بنفسي، يعني أنا عايش اليوم من عمل أيدي ومن حديد الحافلة دي».
(3)
الذي تقدم يقودنا للفت نظر واضعي السياسات العامة في البلاد للالتفات للمواصلات العامة وأهمية تطويرها، والاعتماد عليها في التنقل داخل المدن وبين المدن.
طبعاً، ما في زول مجنون بيطالب حكومتنا السنية بالمواعين الكبيرة كالقطارات ومترو الأنفاق، أو حتى إعادة شركات الباصات الكبيرة كشركة مواصلات العاصمة (أبو رجيلة) أو شركة مواصلات الجزيرة، بل نطالب بإصلاح المعطيات الحالية رغم بؤسها.
فالمواصلات الخاصة، حتى ولو كانت ركشة، كلفتها كبيرة للعباد والبلاد، والحلول الفردية في أي أمر غير مجزية.
مشكلتنا الآن، ونسبة لعدم وجود الخطط العامة ـ عندي حساسية مع كلمة استراتيجية ـ أن المواطن القادر أخذ يتجه للحلول الفردية في كل شيء: في مواصلاته، وفي الصحة، وفي التعليم.
فيما يتعلق بالمواصلات، ينبغي أن يتم التوجه للمواصلات العامة، ويجب أن تكون بيد القطاع الخاص؛ أي تشجيع صغار (الطبقة الوسطى) للدخول فيها، وأن تكتفي الحكومة بدور المراقب وحماية المستهلك، وألا تجعل من الجبايات مصدراً من مصادر دخلها، كما هو حادث الآن. أقصد الحكومة على كافة المستويات: القومي والإقليمي والمحلي.
المواصلات العامة سوف توفر للدولة الوقود والإسبير، وللمواطن الوقت وسهولة الحركة.
(4)
يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، وعند الثالثة ظهراً، كنت في صينية المركزي، وهذه تُطلق على الموقف الذي يقع خلف المدينة الرياضية.
بالمناسبة، هذا الموقف مخطط تخطيطاً رائعاً ومسفلت بصورة ممتازة، ويمكن أن يكون تحفة حضرية، لولا كثرة الركيبين والدلالين والباعة المتجولين والمتسولين والعاملين فيها مسؤولين.
ومنه تنطلق المواصلات لجميع أنحاء العاصمة وكل السودان.
وفي موقف الجزيرة، تحديداً موقف الكاملين والتي، وبعد أن امتلأت الحافلة، انتظر الركاب أكثر من ساعة ونصف حتى تحركت. حتى بعد أن تم الدفع عن طريق بنكك وكُتبت الأسماء في المنفستو، انتظروا حوالي أربعين دقيقة.
كانت في ذات اللحظة حوالي أربع حافلات ممتلئة: اثنتان للكاملين واثنتان للتي، وفي انتظار أمر التحرك.
سألنا عن السبب، فعلمنا أن هناك توقيعات أو شيئاً من هذا القبيل، من غرفة الحافلات والسلطات الأمنية والإدارية. كلها أعباء على الراكب؛ ففي كل مرة كان يصعد أحدهم، يلقي نظرة على داخل الحافلة وينزل.
المشهد في مجمله يدل على إهانة بالغة وتعذيب للمواطن ما بعده تعذيب، وسلطات (بالله ابحثوا ليها عن صفة مناسبة، والله أنا غلبني أكتبها).
لم نتكلم بعد عن الوقفات عند نقاط التفتيش في الطريق.
يا سيادة مدير عام الشرطة المحترم، وسيادة مدير شرطة المرور المحترم، بيدكم الكثير للرفق بهذا الإنسان.
من غير المعقول أن سفرية كانت تأخذ منا ثلاثة أرباع الساعة أصبحت تأخذ الآن بين ثلاث وأربع ساعات.
وبرضو عاوزين الخرطوم تعمر..؟ كيف تأتيها الطماطم، وكيف يأتيها اللبن مع هذه الصفافير؟ أعوذ بالله…
تحية للأستاذ عثمان شبونة.

