خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: إعادة التوطين في السودان: الآثار الاجتماعية والاقتصادية وجذور الصراع على الأرض والموارد

يمثل نزوح ملايين السودانيين، ولا سيما من منطقة دارفور، واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث. إن أي خطة لإعادة توطين النازحين في شمال السودان والجزيرة ليست مجرد عملية لوجستية، بل تدخل جوهري من شأنه إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. يركز هذا المقال على تحليل الآثار المترتبة على مثل هذه الخطط، مستنداً إلى الأدلة التاريخية والمعاصرة، ويسلط الضوء على المخاطر العميقة المرتبطة بالنزاع على الأراضي والتنافس على الموارد والتوترات العرقية في سياق حرب أهلية مدمرة واقتصاد منهار.
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تم تهجير أكثر من تسعة ملايين شخص داخل السودان، مما يجعله أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم. يعيش النازحون في ظروف مأساوية، حيث تستضيف الأسر المضيفة ما يقرب من 40 في المائة منهم، بينما يعيش 27 في المائة في مستوطنات عشوائية، و19 في المائة في مخيمات منظمة. وقد تفاقمت الأزمة بسبب نزوح ثان وثالث، كما حدث في ولاية الجزيرة في ديسمبر 2023. هذا الواقع يضع أي خطة لإعادة التوطين في سياق بالغ التعقيد، حيث تتداخل احتياجات النازحين مع هشاشة المجتمعات المضيفة وانهيار الدولة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فإن تدفق أعداد كبيرة من النازحين إلى ولايات مثل الجزيرة وشمال السودان يضغط بشدة على الخدمات العامة والبنية التحتية المحدودة أصلاً، بما في ذلك الإسكان والرعاية الصحية والتعليم، مع ارتفاع حاد في أسعار الإيجارات. وتُطرح أي خطة لإعادة التوطين في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 29.4 في المائة في عام 2023، وانهارت الإيرادات الحكومية بنسبة 80 في المائة تقريباً. كما تعطل القطاع الزراعي، العمود الفقري للاقتصاد، حيث خرج أكثر من 50 في المائة من الأراضي الزراعية عن الإنتاج، بما في ذلك مشروع الجزيرة الحيوي. إعادة توطين ملايين الأشخاص تتطلب موارد مالية ضخمة لا تمتلكها دولة ممزقة بالحرب ووزارة مالية مشلولة.
وتحذر الدروس المستفادة من مشاريع التوطين السابقة، مثل تجربة توطين النوبيين في مشروع حلفا الجديدة الزراعي في ستينيات القرن الماضي، من أن مثل هذه الخطط قد لا تحقق أهدافها الأصلية. فقد عانى النوبيون من فقدان أرض أجدادهم والاغتراب، وكافحوا لتأمين سبل عيش كافية في المنطقة الجديدة. في المقابل، يمكن لإعادة التوطين، إذا ما صاحبتها استثمارات مدروسة، أن تساهم في إحياء القطاع الزراعي من خلال إعادة السكان ذوي المهارات الزراعية إلى الأراضي الخصبة. كما أن هناك خطراً من الاستغلال الاقتصادي، حيث قد يواجه النازحون الجدد، الذين يفتقرون إلى حيازة آمنة للأراضي، خطر التحول إلى عمالة رخيصة في المشاريع الزراعية، مما يعود بالفائدة على نخبة قوية ويغذي الاستياء بين المجتمعات المضيفة.
أما الآثار الاجتماعية فخطيرة أيضاً، إذ إن الصراع في السودان له جذور عميقة في التهميش العرقي والهويات السياسية. تتهم قوات الدعم السريع، التي ينتمي أغلب مقاتليها إلى قبائل عربية من دارفور، بارتكاب فظائع ضد مجموعات غير عربية مثل المساليت والزغاوة. إعادة توطين نازحي دارفور، الذين ينتمون إلى خلفيات عرقية وثقافية مختلفة، في مناطق مثل الجزيرة والشمال يخاطر بإشعال فتيل التوترات القائمة، خاصة مع استمرار خطابات الكراهية والعنصرية. وتتحمل النساء العبء الأكبر في سياقات النزوح وإعادة التوطين، حيث يتحملن مسؤولية جمع المياه، وهي مهمة تتفاقم مع شح الموارد. كما أن حقوق المرأة في الأراضي محدودة، مما يجعلها أكثر عرضة للفقر وانعدام الأمن.
ويشكل دمج النازحين في المجتمعات المضيفة تحدياً كبيراً. يمكن أن يؤدي التدفق السكاني إلى تغيير التركيبة الديموغرافية والاجتماعية، مما يولد مشاعر التهديد لدى المضيفين. وقد أدى الانهيار المؤسسي الناجم عن الحرب إلى تآكل الثقة المدنية وجعل المجتمعات تعتمد على الميليشيات، مما يعمق الانقسامات. كما أن إعادة التوطين تأتي في سياق صدمة نفسية عميقة بسبب النزوح والعنف، وتتطلب دعماً نفسياً طويل الأمد لمعالجة مشاعر الفقدان والاغتراب.
وتشكل الأراضي والمياه جوهر الصراع في السودان، وإعادة التوطين قد تكون شرارة لتفجير هذه الصراعات. ففي صميم النزاع السوداني، وخاصة في دارفور، تكمن قضية الأرض، حيث أن واحداً في المائة فقط من الأراضي مسجلة رسمياً، والنظام العرفي الذي يحكم معظم الأراضي يفتقر إلى الاعتراف القانوني، مما يجعل حيازة الأراضي غير آمنة للغاية. إعادة توطين نازحي دارفور في الجزيرة وشمال السودان ستخلق أزمة حادة حول حقوق الأرض. التاريخ يشهد على ذلك؛ ففي خمسينيات القرن الماضي، نُظر إلى توطين 180 ألف جنوبي في مشروع الزاندي على أنه “اقتحام” و”استحواذ قسري” أدى إلى صراع. علاوة على ذلك، هناك تقارير عن حرق سجلات الأراضي في النزاع الحالي، مما يجعل إثبات الملكية شبه مستحيل.
يُعد التنافس على المياه محركاً رئيسياً آخر للصراع، خاصة بين المزارعين والرعاة. إعادة التوطين في مناطق محدودة الموارد المائية ستزيد من حدة هذا التنافس، مما قد يؤدي إلى صراعات عنيفة. ولا تقتصر الصراعات على الندرة فقط، بل تتعلق بعدم المساواة في الوصول إلى الموارد. التحكم في مناجم الذهب في دارفور هو محور أساسي للصراع بين الطرفين، حيث تستخدم قوات الدعم السريع عائدات الذهب لتمويل عملياتها العسكرية. إعادة التوطين في مناطق غنية بالموارد قد تغذي الصراع بين الفصائل المسلحة والمجموعات القبلية المتنافسة على السيطرة على هذه الثروات.
إن أي خطة لإعادة التوطين لا يمكن فصلها عن المسار السياسي العام للأزمة. السودان منقسم فعلياً بين مناطق سيطرة الجيش وقوات الدعم السريع، والحديث عن إعادة التوطين في شمال السودان والجزيرة يحمل أبعاداً سياسية وطائفية. هناك تخوفات من أن تصبح إعادة التوطين أداة لتغيير ديموغرافي لصالح جهة على حساب أخرى، أو جزءاً من مشروع لتقسيم البلاد. في ظل هذه السيناريوهات، تبقى إعادة التوطين ورقة في لعبة سياسية معقدة قد تؤدي إلى مزيد من الفوضى بدلاً من أن تكون حلاً للأزمة الإنسانية.
في الختام، فإن إعادة توطين نازحي دارفور في شمال السودان والجزيرة، في ظل الظروف الراهنة، عملية محفوفة بمخاطر جسيمة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها. لتحقيق أي نجاح، يجب أن تستند العملية إلى أسس واضحة: الطوعية والمشاركة، وحل جذري لقضية الأراضي بآليات عادلة وشفافة، واستثمارات ضخمة في التنمية والبنية التحتية، ومصاحبة سياسية وأمنية بوقف شامل لإطلاق النار وبدء عملية سياسية شاملة، بالإضافة إلى مراقبة طويلة الأمد ودعم نفسي للمتضررين. إن مستقبل السودان يتوقف على قدرة قيادته والمجتمع الدولي على تجاوز النهج الأمني الضيق والانطلاق نحو رؤية شاملة تضع الإنسان والعدالة الاجتماعية في صميم الحل. إعادة التوطين، إن تمت، يجب أن تكون جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة من المساواة والمواطنة، وليس مجرد إجراء إداري لتخفيف الأزمة

