خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: قرصنة الدولة وإبادة المدنيين: غزة والحضور الصامت للعالم

خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: قرصنة الدولة وإبادة المدنيين: غزة والحضور الصامت للعالم
في مشهد يتكرر أمام أعين العالم المذهولة، تقتحم البحرية الإسرائيلية سفن المساعدات المدنية في عرض البحر، على بعد مئات الأميال من سواحل غزة، وتعتقل نشطاءها وتصادر حمولتها من غذاء ودواء. هذا المشهد ليس مجرد حلقة جديدة في حصار طويل، بل هو تجسيد صارخ لانهيار القانون الدولي، وامتحان عسير لضمير الإنسانية. فبينما يواصل جيش الاحتلال حرب الإبادة ضد المدنيين في غزة، ويقطع عنهم الماء والغذاء والكهرباء، ويدمر المستشفيات والمدارس، ها هو يمارس قرصنة دولة منظمة في أعالي البحار، والعالم يقف عاجزًا، أو ربما متواطئًا، يتفرج.
أولاً: متى يصبح الحصار قرصنة؟
في القانون الدولي، تعرّف القرصنة بأنها أعمال عنف غير قانونية لأغراض خاصة ترتكبها سفن خاصة. لكن ما تفعله إسرائيل يختلف: إنها قوة بحرية نظامية تابعة لدولة تحتجز سفناً مدنية تحمل علم دول أخرى، في مياه دولية، وتمنعها من الوصول إلى ميناء غزة. هذا الفعل، وإن خرج عن التعريف الكلاسيكي للقرصنة، فإنه يمثل انتهاكًا جسيماً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولمبدأ حرية الملاحة، وللاتفاقيات الدولية التي تحمي السفن الإنسانية. ولهذا السبب، لم تتردد دول ومنظمات في وصفه بأنه “قرصنة”. ففي عام 2010، بعد اعتداء أسطول الحرية، خلص تقرير تركي إلى أن القوات الإسرائيلية ارتكبت “قطاع طرق وقرصنة”. وفي عام 2025، وصفت تركيا الهجوم على سفينة “مرمرة” بأنه “عمل قرصنة ترتكبه حكومة نتنياهو الإبادة الجماعية”. هذا الوصف ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو اعتراف بأن منع المساعدات الإنسانية بالقوة في أعالي البحار هو سلوك يندرج تحت روح جريمة القرصنة، حتى لو كان الفاعل دولة.
ثانياً: هل نحن أمام إبادة جماعية؟
أما السؤال الأكثر إيلامًا، فهو ما إذا كانت الحرب على غزة ترتقي إلى جريمة الإبادة الجماعية. هنا، لم يعد الأمر مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبح موضوعًا أمام أعلى محكمة في العالم. ففي قضية رفعتها جنوب أفريقيا، أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي حكمًا أوليًا اعتبرت فيه أن ادعاءات الإبادة الجماعية ضد إسرائيل “معقولة”، وأمرت إسرائيل بوقف أي أفعال قد تندرج تحت الإبادة، والسماح بدخول المساعدات. لكن الواقع على الأرض يقول شيئًا آخر: مئات الآلاف من القتلى والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال، تدمير ممنهج للبنية التحتية المدنية بما فيها المستشفيات والمخابز ومحطات المياه، حصار مطبق يمنع الغذاء والماء والدواء، وتصريحات لقادة إسرائيليين تتحدث عن “محو غزة” أو “إنسان حيواني”. هذه العناصر مجتمعة ـ القتل الجماعي، التدمير المتعمد لسبل العيش، فرض ظروف حياتية تهدف إلى الإبادة البيولوجية، والنية الظاهرة ـ تشكل، في نظر خبراء القانون الدولي وحقوق الإنسان، أدلة قوية على وقوع جريمة الإبادة الجماعية.
ثالثاً: العالم يتفرج: لماذا ولماذا الآن؟
السؤال الأكثر إحباطًا: أين العالم من كل هذا؟ الإجابة المؤلمة هي أن العالم ليس غائبًا، بل هو حاضر ومتفرج. لماذا؟ لأن هناك انقسامًا جيوسياسيًا حادًا داخل مؤسسات الحوكمة العالمية. في مجلس الأمن، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) مرارًا لحماية إسرائيل من أي قرار يلزمها بوقف إطلاق النار أو يفرض عليها عقوبات. هذا الشلل في أكبر هيئة دولية مكّن إسرائيل من مواصلة حربها وحصارها وقرصنتها دون رادع حقيقي. أما المحكمة الجنائية الدولية، فرغم التحقيقات، إلا أنها تواجه عراقيل وعقوبات أمريكية، وقدرة محدودة على تنفيذ أوامرها. والنتيجة هي فضاء من الإفلات التام من العقاب، حيث تشعر إسرائيل بأنها فوق القانون.
هذا المشهد مهين للإنسانية. فبينما كانت أوامر الاعتقال تصدر بحق قادة روس بسبب حربهم في أوكرانيا، وبينما تحرك العالم لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا ورواندا، نجد أن الفلسطينيين يُتركون وحدهم يواجهون آلة حرب مدعومة بأحدث الأسلحة والغطاء السياسي. الصمت الدولي ليس صمتًا محايدًا، بل هو تواطؤ فعلي.
رابعاً: مقاومة الأساطيل: أمل أخير يهاجم
في خضم هذا الظلام، تبقى مبادرات مثل أساطيل الحرية وكسر الحصار آخر رمق للإنسانية. هذه السفن، التي تحمل على متنها أطباء ونشطاء وبرلمانيين، تحاول كسر الحصار بالقوة المدنية. لماذا يهاجمها الجيش الإسرائيلي بعنف؟ لأنها تكشف كذبة “الحصار الأمني”. فالمساعدات التي تحملها هي غذاء وماء وأدوية، وليست أسلحة. إن مهاجمة هذه السفن هو دليل إضافي على أن إسرائيل لا تحاصر “حماس” بل تحاصر شعبًا بأكمله، وتريد منع العالم من رؤية حجم الكارثة الإنسانية.
خاتمة: متى ينتهي التفرج؟
إن الإجابة عن السؤال ـ “أليس هذا قرصنة وإبادة، والعالم يتفرج؟” ـ هي: نعم، إنها قرصنة دولة، ونعم، إنها إبادة جماعية بكل المقاييس القانونية والأخلاقية، والعالم لا يتفرج فقط، بل في كثير من الأحيان يوفّر الغطاء السياسي والعسكري. لكن التاريخ لن يرحم المتفرجين. كما أن الضمير الإنساني، رغم خموله، لا يموت. كلما هاجمت إسرائيل سفينة مساعدات، كلما انكشفت وحشية الاحتلال. وكلما صمتت المؤسسات الدولية، كلما ازدادت شرعية المقاومة الشعبية السلمية. ربما قريبًا، سينتهي زمن التفرج، ويبدأ زمن المحاسبة. وحينها، سيسأل كل من وقف مكتوفي الأيدي: لماذا لم تتحرك؟

