مقالات

عبدالسلام العقاب يكتب: الباشا.. وتبديل الولاءات

لست بصدد الدفاع عن شخص لذاته، ولا إطرائه لشيء في نفس يعقوب، ولكن الحياد يجعلك تفكر وتكتب بطريقة تختلف عن طريقة الكثيرين.

لقد ظلت الميديا، ومنذ بدء تكوينات مجلس مهن الإنتاج الزراعي، تنتقد انتماء البعض من أهل الجزيرة إلى فصيل مسلح، وهم يستشهدون ببيت الشعر:
من لا تجانسه فلا تجالسه
ما ضر الشمع إلا صحبة الفتل
القيادي سفيان الباشا ظلت تتناوشه تلك السهام، ووقف الجميع دون وصوله لمجلس المهن الزراعية.

وظللت أقول، بدون انتصار له، إن تراتبية التصعيد في التكوينات تسمح لأقسام مشروع الجزيرة بتصعيد ممثليها من الجمعيات القاعدية، في تناسق حتى هرم الجمعيات، وقسم المنسي ليس استثناءً من هذه القاعدة في أن يكون له ممثل في رئاسة المجلس، وقد كان لهم ما أرادوا بالقانون.
هنا أود أن أعود بالقارئ الكريم إلى تبدل القناعات والولاء عند السيد سفيان.

فقبل عدة سنوات، وفي يوم خريفي من العام، اجتمع ببركات عدد من قيادات المشروع لمناهضة فكرة قرار تحويل مشروع الجزيرة إلى هيئة زراعية، وتم إجهاض تلك الفكرة في مهدها.

وقتها كان سفيان أحد أقوى المناهضين للقرار، وتحدثت الوسائط وقتها ووصفته بأنه «تصريح قوي للمناضل الجسور سفيان الباشا»، متصدياً لخطاب وزير المالية القاضي بتحويل مشروع الجزيرة إلى هيئة زراعية.

وجاء تصريحه وقتها مناهضاً لخطاب وزير المالية لتحويل المشروع إلى هيئة زراعية، ووصفه بأنه يحمل في جوفه الأجندة الخبيثة، وأن الجزيرة خط أحمر، وأن الجزيرة التي أنجبت الشرفاء والمناضلين قادرة على منع العبث بالمشروع.

معلناً دعوته الواضحة بإيقاف الاستهبال السياسي، مطالباً بأن يُترك مشروع الجزيرة والمناقل لأهله، وهم الذين يقررون فيه.
ويمضي بالقول:

«نحن قادرون على حمايته رغم مؤامرات التدمير التي تُحاك، والتي تمثلت في إيقاف الدعم وعدم التمويل وعدم التأهيل»، بل هدد بقوله: «سنبتر كل يد تمتد للنيل منه».

شاكراً السيد د. عمر مرزوق، محافظ المشروع آنذاك، وأعضاء مجلسه الموقر، لموقفهم الثابت القوي المشرف، الذي يوضح بجلاء وقوفهم مع المزارع وأصحاب الملك الحر، ودعمهم ومناصرتهم لقضاياهم.
مسترسلاً أن التاريخ سيحفظ لهم هذا الموقف المشرف البطولي في ظل الانتهازية السياسية، ومضى بالقول: «الجمرة بتحرق الواطيها»، وأكد أن مشروع الجزيرة خط أحمر.

واصفاً تلك المحاولة الفاشلة بأنها «دفن الليل أب كراعاً بره»، على حد وصفه، منادياً بوحدة صف المزارعين، الكتف بالكتف.
داعياً الجميع وقتها لمناهضة خطاب وزير المالية.

ولعل هذا الخطاب، مقروءاً مع مواقفه القوية مع مزارعي المشروع في تلك الأيام، جعل له مكانة ومحبة في أوساط المزارعين، وأهّله لأن يكون أحد القيادات البارزة.

لكنه بدأ في الآونة الأخيرة وكأنه قد غيّر جلده وتنكر لثوابته ومواقفه السابقة، بعد أن أصبح انتماؤه السياسي للحركة التي يقودها وزير المالية أكثر وضوحاً، بل غدا أحد أمناء الحركة في الوسط.

وهذا الموقف يضعنا أمام مفارقة تستحق التوقف؛ فالرجل نفسه الذي تصدى، قبل سنوات، لذلك الخطاب، ووقف موقفاً حازماً من دعوة تحويل مشروع الجزيرة والمناقل إلى هيئة زراعية، هو ذاته الذي أصبح اليوم في موقع سياسي مغاير تماماً، ومتماهياً مع خطاب الحركة ومواقفها.

ولم يقف الأمر عند حدود الانتماء السياسي، بل أخذت العلاقة بالحركة ورئيسها تتجذر وتنمو، حتى صارت مواقفه الأخيرة تقترب بصورة لافتة من طرحها ورؤيتها، الأمر الذي جعل كثيراً من أبناء الجزيرة يتوجسون خيفة من أن يمتد هذا التقارب السياسي إلى قضايا الأرض والمشروع، وأن يفتح الباب أمام أطماع أو ترتيبات تمس مستقبل مشروع الجزيرة وأراضيه.

ولعل ما يزيد من مشروعية هذه المخاوف ما نُسب إلى الدكتور جبريل إبراهيم، في جمع من منسوبي حركته، من قوله: «كل أرجائه لنا وطن». وقطعاً الجزيرة جزء من أرجاء هذا الوطن العزيز.

وهنا يحق لأبناء الجزيرة أن يسألوا: أين ذهبت تلك المواقف الصلبة التي أعلنت أن مشروع الجزيرة خط أحمر، وأن أمره شأن يخص أهله ومزارعيه وملاكه؟ وأين استقرت تلك الدعوة إلى إبعاد الأجندة السياسية عن المشروع، ووضع مصلحة الجزيرة وإنسانها وأرضها فوق كل اعتبار؟

إن اختلاف المواقف السياسية حق مشروع، وتبدل المواقع والانتماءات شأن يخص صاحبه، لكن ما يستحق المساءلة هو أن يتناقض الخطاب الجديد مع مواقف سابقة كان صاحبها قد أعلنها بأعلى صوت، ودافع عنها باعتبارها قضية وطنية لا تقبل المساومة.

فالقضية ليست في أن يختار سفيان الباشا موقعاً سياسياً جديداً، وإنما في أن يظل مشروع الجزيرة، الذي كان بالأمس عنده «خطاً أحمر»، خطاً أحمر اليوم أيضاً، مهما تبدلت المواقع وتغيرت التحالفات.

كتبت قبل عدة أيام على هذه المنصة عن زيارة تخصصي قسم المنسي، التي قادها سفيان، واستقبلهم رئيس حركة العدل والمساواة، وزير مالية كل السودان، بل وحقق مطالبهم بوصفهم جماعة يتبعون لحركته، وهنا تكمن الخطورة وتتجدد المخاوف.

فإن كان الدعم الذي ناله تخصصي المنسي من مال وزارة مالية حكومة السودان، فيحق للجميع التمتع بنفس المزايا بلا تمييز.

وإن كان من مال حركة العدل والمساواة، فليهنأ مزارعو قسم المنسي بما تحقق لهم، تقديراً لمساندة الحركة وتكريس موطئ القدم الذي تبحث عنه.

ثم حريّ بالقول إن وجود الباشا في هرم الجمعيات، حتى وهو ممثلاً لحركة مسلحة، هو حق في غياب نص قانوني يمنع عنه ذلك.
ولكن أخشى ألا يتجانس مع العشرين عضواً الآخرين، ويكون وقتها يمثل الصوت النشاز.

هذا، والله من وراء القصد، وهو الهادي لسواء السبيل.

0914210983
wadalaqab@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى