مقالات

مسارات.. د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: السودان بين التصعيد الإقليمي وخيارات الاحتواء السياسي 

لم يعد المشهد السوداني يتحرك داخل حدود الأزمة الداخلية ، لكنه دخل مرحلة أكثر تعقيدًا تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الإقليمية، وتختلط فيها رسائل الردع بخطر الانفجار الواسع. فالتصعيد الأخير بين السودان وبعض الأطراف الإقليمية، خاصة إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة، يكشف أن المنطقة تقف أمام لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، قد تعيد رسم توازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر بالكامل.

إعلان الخرطوم امتلاكها أدلة على تورط خارجي في استهداف مطار الخرطوم لم يكن مجرد بيان عابر، لكنه رسالة سياسية ذات أبعاد متعددة. فالسودان أراد أن يقول بوضوح إن ما يجري داخل أراضيه لم يعد مجرد صراع داخلي، وإنما أصبح ساحة تتداخل فيها حسابات النفوذ الإقليمي والصراع على الممرات والمصالح الاستراتيجية.

لكن في المقابل، فإن التصعيد لا يتحرك في اتجاه واحد. فكل الأطراف تدرك أن المنطقة تعيش حالة سيولة غير مسبوقة، وأن أي فراغ في ميزان القوة قد يدفع الآخرين لمحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض. ولذلك فإن ما نشهده اليوم ليس هو تبادل اتهامات، فقد أصبح صراع إرادات ورسائل قوة متبادلة.

والسودان من جانبه يتمسك بحق الرد بوصفه حقًا سياديًا مشروعًا، خاصة إذا تعلق الأمر باستهداف منشآت داخل أراضيه. غير أن تعقيدات اللحظة الحالية تجعل أي خطوة تصعيدية محسوبة بدقة شديدة، لأن الانتقال من الرد السياسي إلى الرد العسكري المباشر قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا.

أما إثيوبيا، فهي بدورها تعيش ضغوطًا داخلية وإقليمية معقدة، وتحاول الحفاظ على موقعها كلاعب محوري في القرن الأفريقي. ولهذا فإن أي توتر مع السودان لا يُقرأ في إطار العلاقات الثنائية، يقرأ في سياق التنافس على النفوذ الإقليمي، وحدود التأثير في البحر الأحمر، ومستقبل التحالفات في المنطقة.

المشهد هنا يبدو أقرب إلى لعبة توازنات دقيقة؛ كل طرف يرفع سقف الخطاب، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الانفجار الكامل لن يكون في مصلحة أحد. فالحرب الإقليمية، حتى إن بدأت بخطوات محدودة، قد تتحول سريعًا إلى حالة فوضى تمتد آثارها إلى التجارة والأمن والهجرة وحركة الملاحة والطيران.

الأخطر في الأمر أن التصعيد المتبادل قد يمنح القوى الدولية مساحة أوسع للتدخل المباشر في شؤون المنطقة. فالقرن الأفريقي اليوم لم يعد هامشًا جغرافيًا، أصبح واحدًا من أكثر المواقع حساسية في العالم بسبب ارتباطه بالبحر الأحمر وخطوط التجارة الدولية والطاقة.

ومن هنا، فإن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا خالصًا. فمهما بلغت حدة التصعيد، ستظل النهاية السياسية هي المسار الأكثر واقعية. لكن الوصول إلى هذه النهاية يتطلب عدة خطوات أساسية.

أول هذه الخطوات هو فتح قنوات اتصال غير معلنة بين الأطراف المتوترة، لأن الأزمات الكبرى غالبًا ما تُدار أولًا عبر الرسائل الخلفية قبل ظهور أي تفاهمات للرأي العام.

وثانيها، تفعيل دور الوسطاء الإقليميين، خاصة الاتحاد الأفريقي، لمنع انتقال الأزمة من مرحلة التوتر السياسي إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.

أما الخطوة الثالثة، فهي بناء موقف سوداني داخلي أكثر تماسكًا، لأن أي دولة تدخل مواجهة إقليمية وهي تعاني انقسامات داخلية تصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية.

كذلك فإن السودان بحاجة إلى إدارة الأزمة بمنطق الدولة لا بمنطق ردود الفعل. فالقوة لا تُقاس بقدرة الدول على التصعيد، وإنما بقدرتها على اختيار التوقيت المناسب، والأداة المناسبة، والمسار الذي يحقق المصالح الوطنية بأقل الخسائر الممكنة.
وفي المقابل، فإن على الأطراف الإقليمية أن تدرك أن استقرار السودان ليس قضية سودانية ، هي جزء من استقرار الإقليم بأكمله. فاستمرار تحويل السودان إلى ساحة صراع نفوذ سيؤدي إلى موجات اضطراب لن تتوقف عند حدوده.
والسودان اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي؛ بين الانجرار إلى دائرة التصعيد المفتوح، أو توظيف هذه اللحظة لإعادة صياغة موقعه الإقليمي وتعزيز حضوره السياسي والدبلوماسي. وبين هذا وذاك، تبقى الحكمة السياسية هي السلاح الأهم في منطقة أصبحت تشتعل بأقل الشرارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى