مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: الفيلُ فيلُُ… والزرافُ طويلُ!

لو أن الشاعر القديم الساخر علي بن سودون الجركسي عاش إلى يومنا هذا، وشاهد الأنباء المتداولة عن تحالف حمدوك و(تأسيس) والحلو وعبد الواحد، لربما أغلق ديوانه القديم، وأمسك قلمه، وقال : لقد جاء زماني الذي تنبأت به، وصار شعري برنامجاً سياسياً يُنفَّذ على الهواء مباشرة!.

قال ابن سودون:
كأننا والماءُ من حولنا
قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ
الأرضُ أرضٌ والسماءُ سماءُ
والماءُ ماءٌ والهواءُ هواءُ !!

يبدو أن ماقاله هذا الشاعر صار المنهج السياسي لبعض التحالفات السودانية السمجة التي كل مرة نسمعها لكنها بلا جدوي، تغيّر في الأسماء، وتتكاثر اللافتات، وتُعقد المؤتمرات، وتُصاغ البيانات، ثم تكتشف في النهاية أن الماء هو الماء، وأن الحكاية القديمة عادت مرة أخرى في (تدوير آخر )!.

حمدوك وتأسيس والحلو وعبد الواحد! يا لها من توليفة سياسية تحتاج إلى شاعر لا إلى محلل! كل طرف يأتي بحساباته ومشروعه وخلافاته، ثم يجلس الجميع حول المائدة، لعلهم يكتشفون فجأة أن جمع الأسماء في بيان واحد يصنع مشروعاً وطنياً، وأن تكديس الشعارات يمكن أن يتحول إلى برنامج لإنقاذ السودان!.

لكن السؤال الذي يفسد عليهم حفلة الاكتشاف: ما الجديد الذي سيقدمه هذا التحالف للسودانيين؟ هل سيوقف الحرب؟ هل سيحسم موقفه من الانتهاكات والاعتداءات على المدنيين؟ هل سيقدم ضمانات لوحدة السودان وسيادته؟ أم أن الإنجاز المنتظر هو صورة جماعية، وبيان طويل، وتصريحات تعيد تدوير الكلام القديم حتى يملّ الكلام من نفسه؟.

بلاشك هي مسرحية قديمة جدا… لكن تغيرت الخشبة وتغير اسمها والمؤلف والمنتج والمخرج والممول بالتأكيد….دويلة الشر .

يبدو أن ابن سودون لو حضر مؤتمر إعلان هذا التحالف، لطلب الكلمة، ثم ألقى قصيدته كاملة، وربما أضاف إليها:
الماءُ ماءٌ والوعودُ وعودُ
والقولُ قولٌ والعهودُ عهودُ !
ثم يلتفت إلى المنصة ويسأل: إذا كان كل شيء كما كان، فما الذي جمعكم؟ ألتغيير الواقع أم لتغيير ترتيب الكراسي؟.

الذين فقدوا بيوتهم، والنازحون الذين ينتظرون العودة، والمواطن الذي أنهكته الحرب، (شكلهم) سوف ينتظرون قصيدة جديدة في وصف الماء…. عصماء !! ، و مؤتمراً يشرح لهم أن السماء فوقهم والأرض تحتهم وعنق الزراف طويل ! .

إني من منصتي أنظر… حيث أرى أن ابن سودون لو عاد اليوم، فلن يحتاج إلى كتابة قصيدة جديدة ، سيكتفي بحضور المؤتمر، ويطلب نسخة من البيان الختامي، ثم يكتب على غلافها:
ويقالُ إن الناسَ تنطقُ مثلنا
أما الخرافُ فقولُها مأماءُ
كلُّ الرجالِ على العمومِ مذكّرٌ
أما النساءُ فكلهنَّ نساءُ
البحرُ بحرٌ والنخيلُ نخيلُ
والفيلُ فيلٌ والزرافُ طويلُ ! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى