من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: أغنية كلما انتهت بدأت من جديد !

(إنت أغلى) واحدة من الأغنيات التي لا تحتاج إلى ضجيج حتى تستقر في الوجدان، يكفي أن تبدأ كلماتها حتى يشعر المستمع أنه أمام حالة عاطفية مكتملة، صنعها الشاعر عبد الله النجيب، ولحّنها وأداها الراحل المقيم صلاح بن البادية
عبد الله النجيب، شاعر العيون، ينتمي في هذه الأغنية إلى المدرسة الوجدانية الغنائية التي تجعل البساطة طريقاً إلى العمق. فهو لا يرهق النص بالتعقيد، وإنما يبني صوره من مفردات قريبة من الروح: العين، الندى، الربيع، الضياء، الحنان، المودة، الدموع والأنين، وفي قوله: (من كلام عينيك وسحرك من بهاك) يجعل العين لغة مستقلة تتكلم، وتسحر، وتبوح بما يعجز اللسان عن قوله.
والتكرار في (من كلام عينيك وسحرك من بهاك) ليس حشواً، بل هو العمود الفقري للأغنية؛ كلما ابتعد الشاعر في شكواه عاد إلى نقطة الحب الأولى، فتتحول اللازمة إلى توقيع عاطفي عالق في الذاكرة.
أما (إنت جوهر، إنت اندر، وإنت أبعد من سرابي) فهي ذروة المبالغة الجميلة، فالمحبوب عنده جوهر نادر، بعيد حتى عن السراب، بينما تكشف (إنت لاعب بشجوني) عن انقلاب الحكاية من نشوة الحب إلى وجع العاشق
ثم يأتي صلاح بن البادية، بصوته الدافئ، ليمنح الكلمات حياة أخرى. لم يكن يغني الجملة فحسب، بل كان يسكنها. أداؤه هادئ، شجي، يمنح الكلمة مساحتها، ويترك للصوت أن يحمل ما بين السطور من حنين وعتاب
ولحن الأغنية من الألحان التي تقوم على الانسياب، والمدود، والتدرج العاطفي، مع لوازم موسيقية تمنح المستمع فرصة للتنفس بين الجمل. أما الصفارة، فهي من أجمل اللمسات؛ ليست مجرد مؤثر للزينة، وإنما تبدو كأنها تنهيدة موسيقية أو جواب حزين على الكلام، وهي من التفاصيل التي تصنع ذاكرة الأغنية وحين يكرر بن البادية (يا حبيبي)! ، ثم يصل إلى (آه يا ناس من عذابي)، ينتقل من مخاطبة المحبوب إلى إشراك الناس في وجعه؛ وكأن العاشق في النهاية لم يجد إلا المستمعين ليحكي لهم ما عجز عن قوله
وهنا سر بقاء (إنت أغلى) في قلب الشعب السوداني. فهي لا تحكي قصة حب بعينها، وإنما تلامس تجربة يعرفها كثيرون، أن تحب أكثر مما ينبغي، وأن تقرأ في عيني محبوبك ما تتمناه، ثم تكتشف أن الحب ليس دائماً متساوياً بين قلبين.
إني من منصتي اسمتع …. حيث آقول : إنها أغنية اجتمع فيها شاعر يجعل العين قصيدة، وملحن يجعل الكلام يغني، وفنان يجعل اللحن حكاية. ولذلك بقيت (إنت أغلى) أكثر من أغنية عاطفية؛ بقيت قطعة من الذاكرة والوجدان السوداني، كلما عادت عاد معها زمن كانت فيه الأغنية تقول الكثير بكلمات قليلة.

