مقالات

من الهامش.. بشرى بشير يكتب: تعال كان تقدر.. سنجة لا تهزها الشائعات

في كل مرة تعجز فيها الشائعة عن صناعة الخوف، يعود مروجوها إلى أسلوب التهديد، وكأن الكلمات يمكن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، أو أن منشوراً على صفحة مجهولة يستطيع أن يهز مدينة صمدت في وجه أصعب الظروف.

ففي منشور متداول على صفحة تحمل اسم «وصف لي سنجة»، ظهر ثلاثة من ملاقيط مليشيا الدعم السريع وهم يوجهون رسالة إلى مواطني سنجة مفادها: «يا ناس سنجة نحن بعد دا جايينكم». رسالة أراد أصحابها أن تكون رسالة خوف وقلق، لكنها في سنجة تُقرأ بصورة مختلفة تماماً، والرد ببساطة: تعال كان تقدر…

سنجة اليوم ليست سنجة الأمس، وأهلها يعرفون جيداً معنى الأمن، ويعرفون كذلك ثمن الفوضى، ولذلك لن تكون المدينة ساحة سهلة أمام محاولات بث الرعب أو صناعة الهلع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات في أوقات الحرب ليس صوت الرصاص وحده، وإنما الشائعة التي تحاول أن تضرب معنويات الناس، وتزرع الخوف في البيوت، وتربك الأسواق، وتدفع المواطنين إلى تصديق كل ما يُنشر دون تحقق.

ولهذا، فإن التعامل مع الصفحات التي تتعمد نشر الأخبار الكاذبة والتهديدات والشائعات يجب ألا يكون من خلال الانفعال أو إعادة نشر محتواها، وإنما عبر الوعي والتحقق والقانون.

فمن حق المواطن أن يعرف الحقيقة، ومن حق المجتمع أن يحمي أمنه النفسي والمعلوماتي، ومن واجب الجهات المختصة أن تراقب كل منصة تستخدم لبث الشائعات أو التحريض أو تهديد المواطنين، وأن تتخذ الإجراءات القانونية اللازمة متى ثبتت المخالفة.

أما سنجة، المدينة التي عرفت معنى الحرب، فإنها تعرف أيضاً معنى الصمود. سنجة ليست مجرد اسم على خريطة، وليست مدينة يمكن إسقاطها بمنشور في فيسبوك أو مقطع مصور أو رسالة تهديد.
فوراء سنجة أهلها، وأسواقها، وطلابها، ومزارعوها، وموظفوها، ونساؤها، وشبابها، وذكريات أهلها، وكل أولئك يريدون أن يعيشوا في أمن وسلام، وقبل كل هذا هناك أرتال من الجيوش تحرسها.

ومن هنا، فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى مروجي الشائعات قبل غيرهم هي أن سنجة لا تُدار بالخوف. قد تنتشر الشائعات بسرعة، لكنها لا تصنع واقعاً، وقد ترتفع نبرة التهديد، لكنها لا تمنح أصحابها قدرة حقيقية على تغيير إرادة الناس.

وللذين يعتقدون أن بإمكانهم إخافة مواطني سنجة عبر منشور أو تسجيل مصور، عليهم أن يدركوا أن المجتمعات التي مرت بالأزمات تصبح أكثر قوة، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الخبر الحقيقي ومحاولة الحرب النفسية.

فلقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً آخر في هذه الحرب؛ سلاحاً لا يحتاج إلى بندقية، وإنما إلى حساب وهمي، أو صفحة مجهولة، أو مقطع مجتزأ، أو خبر بلا مصدر.

وهنا تأتي مسؤولية المواطن؛ فلا تصدق كل ما تقرأ، ولا تعيد نشر كل ما يصلك، ولا تمنح الشائعة فرصة أكبر من حجمها.

فكل مشاركة لمنشور مجهول قد تساهم في صناعة حالة من الخوف لا أساس لها، وكل خبر غير موثق يمكن أن يتحول إلى أزمة حقيقية داخل المجتمع.

وسنجة تحتاج اليوم إلى الهدوء أكثر من حاجتها إلى الصراخ، وإلى الوعي أكثر من حاجتها إلى تداول التهديدات، وإلى التكاتف أكثر من حاجتها إلى الانقسام.

أما أصحاب الرسائل التي تقول: «نحن جايينكم»، فليعلموا أن أهل سنجة لا يعيشون على وقع الرسائل، وأن المدينة لا تقيس قوتها بعدد المنشورات التي تُكتب عنها.

ولكن، قبل أن تكتبوا رسائلكم، تذكروا أن سنجة مدينة لها أهلها، ولها تاريخها، ولها مؤسساتها، وأن أمنها ليس مادة للتجربة، وأن مواطنيها ليسوا رقماً في منشور دعائي، بل هم رجال وقفوا وسيقفون حتى آخر رجل منهم.

ورسالتنا لأهل سنجة أن يجعلوا من الوعي خط الدفاع الأول، فلا يسمحوا للشائعة أن تدخل بيوتهم، ولا للتهديد الإلكتروني أن يسرق طمأنينتهم، ولا للصفحات المجهولة أن تحدد لهم كيف يعيشون أو ماذا يصدقون.

فسنجة لا تهزّها الشائعات، والرد الأقوى على دعاة التخويف ليس الشتائم ولا الفوضى، وإنما أن تبقى سنجة واقفة، آمنة، واعية، متماسكة، وأن يظل أهلها يعرفون أن الحقيقة أقوى من الشائعة، وأن الوعي أقوى من التهديد.

نصر الله قواتنا المسلحة، والقوات المساندة لها، والخزي والعار والدمار لمليشيا الدعم السريع.

وما النصر إلا من عند الله.
وما النصر إلا صبر ساعة.
ولنا عودة.

0123998911
Bushraelbushra662@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى