مقالات

الصفر البارد .. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: من يمتلك حق العفو عن من قتل أولادنا وشتمنا في عرضنا ونهب أملاكنا؟

في الأيام الماضية، انتشر تسجيل صوتي صادم في كل الوسائك الاكترونية وانا وصلني منه نسخة واحتفط بها وهي لأحد الأفراد الذين كانوا ضمن المليشيات المسلحة التي حاربت الدولة وأرهبت المواطنين. لم يكتف هذا الشخص في تسجيله بالكلام العابر، بل تجاوز كل الخطوط الأخلاقية والقانونية عندما أطلق العنان للسب والقذف المباشر ضد قبائل بأكملها. كان تركيزه واضحاً على قبيلة الشايقية وأبناء الشمال بصورة عامة، واصفاً إياهم بعبارة (أولاد حرام)، هذه الكلمة ليست مجرد شتيمة عابرة أو تجاوز في الكلام، بل هي تهمة شنيعية لا تحتمل التأويل، فهو بذلك يتهم كل نساء تلك القبائل بارتكاب الفاحشة والزنا. وهذا الفعل – بكل تأكيد – يوجب أشد العقوبات في القانون والأخلاق.

إن ما فعله هذا الشخص ليس مجرد “خطأ في حقبة ماضية” يمكن تخطيه، بل هو جريمة قذف صريحة وموجهة لأبرياء لم يرتكبوا أي ذنب سوى أنهم ينتمون لقبائل معينة. فعلى من قال هذه الكلمة إن كان صادقاً أن يثبت دعواه أمام القضاء، وإلا فإنه يتحمل تبعات هذا الافتراء عبر الدعاوى القضائية التي يرفعها كل من طاله هذا القذف. وإذا كنا فعلاً نعيش في دولة تحكمها مؤسساتها، ويعلو فيها صوت القانون، فمثل هذا الشخص لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يظل طليقاً، ولا يمكن أن يُفتح له باب العودة إلى الوطن وكأن شيئاً لم يكن.
عليه أن يتحمل المسؤولية الكاملة عما قاله وما فعله بحق شعب بأكمله. إن ما نطق به هو دليل على العقلية الإجرامية التي كانت تقف وراء القتل والنهب والتدمير، وليس مجرد رأي أو انفعال عابر.

وهنا يبرز سؤال جوهري وأساسي: من يملك حق العفو عن هؤلاء؟ الإجابة القطعية والواضحة: لا أحد. لا يمكن لأي إنسان مهما بلغ موقعه الدستوري أو السياسي أو الاجتماعي أن يتنازل عن “الحق الخاص” لأي إنسان آخر. صاحب الحق الوحيد في الإعفاء أو العفو هو من وقع عليه الضرر بنفسه أو ورثته من بعده. فإذا سُلب روح ابن أو أُحرق منزل أو نُهب مصنع أو دمر محل تجاري، فمن يملك حق العفو هو ذاك الذي فقد أغلى ما يملك، وليس مسؤولاً في قصر رئاسي أو حزب سياسي يريد “طي صفحة الماضي” بسرعة.

المشكلة الأكبر – والأكثر إيلاماً – أن هناك من يفكر في العودة إلى البلاد مستغلاً باب العفو العام، وكأن كل ما حدث للشعب لم يكن سوى فيلم كرتون خفيف مثل “توم وجيري”. يتصور هؤلاء أن الأموات الذين سقطوا من أهلنا، والذين سحقتهم الدبابات، والذين دمروا منازلهم بالكامل، وأحرقت بيوتهم ومصانعهم ومحلاتهم التجارية – كل هؤلاء بلا قيمة. يتخيلون أن الحياة تستمر وكأن تلك الجثث لم تكن تئن تحت الأنقاض، وكأن الدموع لم تجف بعد على وجوه الأيتام والأرامل.

بل الأدهى من ذلك أن ترى من ارتكب جريمة قتل أو نهب أو قذف يتحرك الآن في بعض الأماكن بحرية تامة، لا يتم إيقافه ولا توجيه أي تهمة إليه، ولا حتى للتحقيق المبدئي. إن استمرار هذا الوضع هو انتهاك صارخ لكل معاني العدالة والحق. القانون يجب أن يكون حاسماً وحازماً: من قتل يقتص منه، ومن نهب يسترد منه، ومن قذف يعاقب. وإلا فإن كل الحديث عن دولة القانون يبقى مجرد كلام فارغ. لا سلام بدون عدالة، ولا عفو بدون محاسبة، ولا مستقبل بدون قصاص عادل من كل من آذى هذا الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى