دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الملف الاقتصادي (2)

إذا كان الحوار السوداني ــ السوداني مدخلاً للخروج من الحرب إلى الاستقرار، فإن الاقتصاد يجب أن يكون أحد أهم مساراته، لا مجرد بند غائب أو تابع لمسار آخر. ولعل لجنة التهيئة للحوار، وهي توزع عملها بين المسارات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية، كان يجدر بها تخصيص مسار اقتصادي يتولاه مختصون يسعون لتحويل معاناة المواطنين إلى برنامج عملي للتعافي. ومهما غابت هذه الخطوة أو تأخرت، تظل الجمعيات التعاونية منظومة المجتمع المدني الأنسب للإسهام في معالجة أزمات السودان السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
فالجمعيات التعاونية ليست مجرد وسيلة لخفض تكاليف المعيشة وتوفير السلع الأساسية، بل رافعة للإنتاج المحلي وإعادة بناء الثقة والتضامن. وفي ظل السيولة الأمنية وانتشار السلاح، يمكن لعضويتها المنظمة تعزيز التكافل والإسهام في أمن الأحياء، دون أن تحل محل أجهزة الدولة. كما أن التقشف الرشيد لا يعني حرمان المواطن، بل تغيير أنماط الاستهلاك وتوسيع الإنتاج الأقل كلفة. وتمثل الثروة السمكية، على سبيل المثال، فرصة لتغيير نمط الاستهلاك وسد فجوات الغذاء وتخفيف أعباء الأسعار وتقليل الاعتماد على الاستيراد واستنزاف النقد الأجنبي. ويمكن للتعاونيات تنظيم الإنتاج والتسويق والشراء الجماعي للحد من الوساطة والهدر، بالتوازي مع تشجيع وسائل النقل الأقل استهلاكاً للطاقة، كالدراجات النارية والمركبات الكهربائية العاملة بالبطاريات والطاقة الشمسية.
ونجاح هذا المسار يتطلب خطة مرحلية بمشروعات تعاونية تجريبية في المناطق الآمنة، وأهداف قابلة للقياس لخفض تكاليف السلع وزيادة الإنتاج وفرص العمل وترشيد استهلاك الوقود. كذا مطلوب من المواطن الانتقال من مجرد النقد إلى العمل الإيجابي، فواقع السودان، في ظل حرب محلية تتداخل مع صراعات إقليمية ودولية، يفرض انخراطاً جماعياً في منظومات مجتمع مدني تستجيب لمقتضيات الحرب وتحافظ على كيان الدولة، لا الاكتفاء بأدوات العمل السياسي المألوفة في زمن السلم. وعلى الدولة والقطاع الخاص استقطاب بيوتات التمويل الوطنية والأجنبية وتهيئة البيئة الاستثمارية رغم تحديات الحرب. ولا يعني الحفاظ على كيان الدولة التنازل عن المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، بل ابتكار صيغة عدالة انتقالية تلائم ظروف البلاد. هكذا يصبح الحوار تياراً شعبياً وممارسة يومية، تتحول فيها الجمعيات التعاونية من أدوات للمعاش إلى روافع للتعافي الاقتصادي والتماسك المجتمعي، ويصبح المواطن شريكاً في إنقاذ الدولة وبناء مستقبلها.
الخرطوم 24 أكتوبر 2026

