دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الحوار وإن طال السفر (4)

لا يستطيع السودان أن ينتظر حتى تنتهي كل خلافاته التاريخية ليبدأ معالجة أزماته العاجلة. وفي الوقت نفسه، لا يمكن معالجة الحرب والخدمات والاقتصاد وكأن جذور الأزمة السياسية لا وجود لها. ولهذا فإن أحد أهم أسس الحوار المطلوب هو السير في مسارين متوازيين: مسار يدير الحاضر، وآخر يعالج الماضي ويؤسس للمستقبل.
المسار الأول عاجل، لأن هناك قضايا لا تحتمل الانتظار: وقف الحرب، حماية المدنيين، إيصال المساعدات، معالجة أوضاع النازحين واللاجئين، إعادة الخدمات، واستعادة مؤسسات الدولة. المواطن الذي فقد منزله أو دواءه أو مصدر رزقه لا يمكن أن يُطلب منه انتظار سنوات حتى يكتمل النقاش حول شكل الدولة.
لكن المسار العاجل وحده لا يكفي. فالسودان يحتاج، بالتوازي، إلى حوار تأسيسي يبحث في القضايا التي تكررت بسببها الأزمات: طبيعة الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وحدود السلطة، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالدولة، وتوزيع الموارد، والعدالة، والمواطنة.
وهنا يكمن الفرق بين إدارة الأزمة وتأسيس الدولة. فإدارة الأزمة ضرورية لإنقاذ الحاضر، لكنها لا تضمن المستقبل. أما الحوار التأسيسي فهو محاولة لمنع عودة الأسباب التي صنعت الأزمة.
ولا ينبغي أن يتنافس المساران، بل أن يكمل أحدهما الآخر. حكومة انتقالية تعالج الواقع وتستعيد وظائف الدولة، وحوار وطني يبحث في المبادئ التي ينبغي أن تحكم السودان مستقبلاً.
المعادلة بسيطة: لا نؤجل حياة الناس حتى نحل كل خلافاتنا، ولا نكتفي بحل مشكلات اليوم ونترك أسباب أزمات الغد. فالمطلوب إدارة الحاضر بعين مفتوحة على المستقبل، وبناء المستقبل دون تجاهل معاناة الحاضر.
الخرطوم 14 سبتمبر 2026

