مقالات

في الحقيقة.. ياسر زين العابدين المحامي يكتب: رشان بين مطرقة القانون وسندان العاطفة

شهد عصرنا الحالي قفزة سريعة في العالم الافتراضي، نتج عنها استخدام التقنيات الحديثة نشرًا في الميديا على نطاق واسع.
وكانت النتيجة انتقال الصحافة إلى هذا العالم بإيقاع متسارع لا يهدأ له بال، وانتقلت معه الجرائم الصحفية إلى ذات العالم الافتراضي.
إن مفهوم الصحافة الإلكترونية هو تلك المعلومة أو الخبر المنشور في الميديا، في موقع إلكتروني بعنوان محدد تملكه جهة أو فرد ما.
وهذه المعلومات أو الأخبار إما أن تكون مبرأة من العيوب أو تقارفها، وبعبارة أخرى: إما أن تكون صحيحة، أو العكس، فيترتب عليها مساءلة إذا كانت مضرة ومشينة للسمعة بلا سند.

جرائم الصحافة الإلكترونية نسخة طبق الأصل من جرائم الصحافة الورقية، ويتمثل السلوك فيها بنشر يخل بالنص الوارد، فأي معلومة كاذبة ومضرة توجب الإدانة وفقًا لقانون جرائم المعلوماتية والقانون الجنائي.
وتكون الإدانة حاضرة إذا فشل المتهم في تقديم بينة تؤكد وتدعم ما نشره.
إذن يخضع فعل النشر الإلكتروني لرقابة القضاء الملزم بالمحاكمة تبعًا للقانون، حيث تُطرح البينة أمام القاضي في حلبة النزاع، ويدرأ المتهم التهمة بالمستندات والشهود، فعبء الإثبات يقع على الناشر، وبحال فشله ينبغي على القاضي إدانته.

إن الصحافة والإعلام يؤديان دورًا هامًا ومفصليًا، ويشكلان ركيزة أساسية في زماننا هذا، ورغم هذه الأهمية فإنهما مقيدان، فالحرية ليست مطلقة ولا مبذولة حد الفوضى، ولا يُتصور معها الانفلات من كل قيد بغية الاعتداء على المصالح وحقوق الغير.

وبهذا الاتجاه سار القانون السوداني بخطى ثابتة، وبعقل مستنير، واضعًا خطوطًا حمراء، فبسط حمايته على الحرية، وأسبغ عليها شروطًا عدة لتعرف حدودها، وصولًا إلى نقطة متوازنة محددة بقيود غير مطلقة، تتفق مع الغايات الدستورية، ومتوافقة مع الحقوق، وضامنة لعدم التعدي.

فالنشر محكوم بقيود منظمة وضابطة، والانفلات يعني توقيع عقوبة تبعًا للتفريد، إذ إن القاضي يزن البينة المطروحة، ويستخلص منها الحكم بالبراءة أو الإدانة.

وفي قضية رشان قال القضاء كلمته، فإذا صح التسبيب فلا طريق آخر لنقض الحكم، أما إذا استخلصت البينة بأخطاء جاز نقضه.
وبما أن النشر تم في صفحتها على الفيس بوك، فإن الفعل يندرج في سياق الجريمة الإلكترونية، ولا يعدل الحكم إلا المحكمة الأعلى فقط، فالاحتجاج لا يغير ولا يؤثر في الحكم، كما أن كتابة البيانات وانتقاده لن تفيد ولن تغير، وقد تكون لها آثار سلبية غير مرئية.

وثمة طريق آخر لا يلغي العقوبة، لكنه قد يخففها، وهو طلب الاسترحام، إذا عزّت البينة الشفاهية أو المستندية، ولم يكن بالحكم عوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى