مقالات

قبل أن تغادر.. م. خالد حسن إبراهيم يكتب: الخدمة المدنية بين التفكيك والتقليص والأجر الرخيص

رغم أن آثارها الكارثية شملت القوات النظامية (الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات)، إلا أن الخدمة المدنية نالت النصيب الأكبر منها. فما زالت خدمتنا المدنية لم تتعافَ من أضرار اللجنة سيئة الذكر (لجنة التفكيك)، التي أصدرت قرارات بإنهاء خدمة آلاف الموظفين في الوزارات والهيئات والبنوك والشركات الحكومية والجامعات، تحت ذريعة “إزالة التمكين”.

وقد شردت هذه القرارات آلاف الأسر، وعطلت الدولة، وخربت مشروعات تنموية، ودمرت مؤسسات وهيئات وشركات ومنظمات، وأهدرت أموالاً طائلة، وكانت حرباً على الاستقرار والقانون والتنمية والمواطن. كما تم تعبئة الوظائف بمحاصصات حزبية، في مخالفة واضحة لقانون الخدمة المدنية لعام 2007، حيث أُهمل التوظيف بالكفاءة، فهاجرت الكفاءات خارج الوطن.

وتشكلت لهذه اللجنة لجان فرعية داخل أماكن العمل، سممت العلاقة بين العاملين، وأضرت بالتسلسل الهرمي في المؤسسات، وأضعفت الإنتاج. ورغم أن كثيراً من قراراتها أُلغيت بأحكام قضائية لعدم قانونية إجراءات الفصل، وعاد كثير من المفصولين إلى وظائفهم، إلا أن الخدمة المدنية لم تُعالج جراحاتها.

وقبل أن تندمل هذه الجراح، انفجرت الحرب، فتوقفت دوائر الإنتاج وتعطلت آلة الدولة، وعندما بدأت تدور من جديد برزت علل من تشوهات وانحرافات وشلليات وتعيينات، أصابت جسد الخدمة المدنية بوهن واضح. وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه الدواء الفعال، وهو الإصلاح الإداري الشامل، إذا بها تُبشر بالتقليص، فبدلاً من غرفة العمليات حُملت إلى المشرحة.

لا شك أن معالجة الخلل في الخدمة المدنية غاية كل وطني، رئيساً كان أو مرؤوساً، ولكن هذه الغاية لن تتحقق إلا بالتشخيص السليم للمشكلة، والتخطيط الدقيق للحل، والتوقيت المناسب لبدء العلاج، والإرادة الصادقة لتنفيذ العلاج. ويمكننا أن نشكك في وجود هذه الأركان الأربعة في بناء لجنة الوزير معتصم.

ونخشى أن تقضي اللجنة على الرمق المتبقي من الخدمة المدنية، فتصل الأوضاع إلى فوضى مشابهة لما صنعته اللجنة سيئة الذكر، في وقت نحتاج فيه إلى شحذ الهمم، وشكر العاملين على مصابرتهم وتضحياتهم وتحملهم للأجور المتدنية والرخيصة، حتى نتجاوز الظرف غير الطبيعي الذي تمر به البلاد.

وقبل أن تبدأ الوزارة في التقليص، عليها أن تبدأ بإعداد الدراسات عبر خبراء ومختصين غير سياسيين ولا حزبيين، إلى جانب المراكز البحثية والأكاديمية، لتشخيص واقع الخدمة المدنية ومشكلاتها، ووضع الهياكل النموذجية لأداء العمل في ظل الرقمنة والالتزام القانوني وتبسيط الإجراءات.

ثم تأتي مرحلة الإصلاح الإداري الشامل، التي تتضمن اقتراح تعديلات قانونية وهيكلية، ودمج مؤسسات، وإلغاء مؤسسات، وبالتالي إلغاء وظائف أو تحويلها أو إنشاء وظائف جديدة. كما ينبغي النظر في تجارب الدول التي مرت بمشكلات مشابهة في تدني الخدمة المدنية، وسبقتنا في برامج الإصلاح، مثل الأردن ومصر والمغرب ورواندا وإثيوبيا.

وحينها ستتبلور خطة شاملة غير مجتزأة، يمكن طرحها للتداول عبر مستويات متعددة، لإكسابها بعداً أوسع في الشورى والتصويب، وتحقيق التفاف شعبي حولها، ثم يأتي اختيار الوقت المناسب لتنفيذها، وذلك بعد توقف الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها، وبذلك تتوفر الإرادة الحقيقية للتغيير نحو الأفضل.

إن التعجل في اتخاذ قرارات مصيرية بشأن العاملين غالباً ما يولد الظلم، والظلم يقود دائماً إلى الخراب والخسران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى