مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: الهلال الأحمر السوداني… حين انتصر الوطن للإنسانية

ليست كل المناسبات تُقاس بعدد الحضور، ولا تُختزل قيمتها في البيانات الختامية، فهناك أحداث تصنع فارقاً لأنها تعيد رسم صورة الأوطان في أعين الآخرين. وهذا تماماً ما فعلته جمعية الهلال الأحمر السوداني وهي تحتضن بمدينة بورتسودان أعمال الجمعية العمومية لشبكة جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، في سابقة تعكس مكانة السودان وقدرته على قيادة العمل الإنساني رغم قسوة الظروف.

لقد جاءت هذه الاستضافة في توقيت بالغ الحساسية، بينما لا تزال البلاد تواجه تداعيات الحرب، الأمر الذي منح هذا النجاح قيمة استثنائية، وأثبت أن المؤسسات الوطنية الراسخة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى منصات للإنجاز.

ولم تكن بورتسودان مجرد مدينة استضافت مؤتمراً إقليمياً، وإنما كانت نافذة أطل منها السودان على محيطه الأفريقي والعالمي، ليقول إن الدول لا تُقاس بما تمر به من أزمات، وإنما بما تمتلكه من إرادة للنهوض.
ومنذ انطلاق أعمال الجمعية العمومية، بدا واضحاً حجم الإعداد المهني الذي قامت به جمعية الهلال الأحمر السوداني، وهو إعداد عكس خبرة مؤسسية متراكمة وكفاءة تنظيمية نالت استحسان الوفود المشاركة.
وقدمت الجمعية نموذجاً مشرفاً في حسن التنظيم والإدارة، مؤكدة أن السودان لا يزال يمتلك كوادر وطنية قادرة على إدارة أكبر الفعاليات الإقليمية والدولية بكفاءة واقتدار.

ولم يكن النجاح في التنظيم وحده هو المكسب، وإنما النجاح في تقديم صورة مشرقة عن السودان، بعيداً عن مشاهد الحرب التي تتصدر عناوين الأخبار.

وفي ختام الفعاليات، أقامت جمعية الهلال الأحمر السوداني حفلاً للتكريم حمل في مضمونه رسالة وفاء لكل من وقف إلى جانب الجمعية، وأسهم في دعم رسالتها الإنسانية داخل السودان وخارجه.
ذلك التكريم لم يكن احتفاءً بالأشخاص بقدر ما كان احتفاءً بقيم العطاء، وترسيخاً لثقافة الاعتراف بالفضل لأهله.

وعلى المستوى الإقليمي، جاء اختيار الدكتور عباس جوليت، أحد قيادات الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، تقديراً لدوره البارز في مساندة السودان، وحرصه المستمر على دعم البرامج الإنسانية التي خففت من معاناة المتأثرين بالحرب.

فالمواقف الإنسانية لا تُقاس بحجم التصريحات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، وهذا ما جسده الدكتور عباس جوليت في مختلف مراحل تعاونه مع السودان.

أما على المستوى الوطني، فقد وقع الاختيار على رجل البر والإحسان، الشيخ الأستاذ عبدالمنعم أبوضريرة، وكيل الطريقة التجانية بالسودان، وهو اختيار وجد قبولاً واسعاً لما يمثله الرجل من قيمة إنسانية ووطنية.

فالرجل لم يصنع حضوره بالخطابة أو الظهور الإعلامي، وإنما صنعه بالفعل الصادق والعمل المتواصل في ميادين الخير والإصلاح.
وقد تبنى الشيخ عبدالمنعم أبوضريرة مشروعات جمعية الهلال الأحمر السوداني بولاية الجزيرة، وأسهم بصورة كبيرة في دعم برامجها الصحية والتعليمية، إضافة إلى مشروعات إيواء النازحين الذين أجبرتهم الحرب على مغادرة ديارهم.

كما ظل يقدم دعماً سخياً للمبادرات الإنسانية، واضعاً إمكاناته في خدمة المجتمع دون منٍّ أو ضجيج.

وفي جانب الأمن الغذائي، يؤدي أبوضريرة دوراً وطنياً مهماً من خلال امتلاكه عدداً من المطاحن التي تسهم في توفير الدقيق، وهو أحد أهم السلع الاستراتيجية للمواطن السوداني.

وخلال سنوات الحرب، ظل من الشخصيات الوطنية التي أعلنت انحيازها للوطن، وقدمت ما استطاعت من دعم وإسناد، إيماناً بأن حماية السودان مسؤولية جماعية.

ومن المواقف التي ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية، قيامه بفتح منزله بمدينة المناقل ليكون مقراً لحكومة ولاية الجزيرة عقب انتقالها من مدينة ود مدني، في موقف جسد أسمى معاني المسؤولية الوطنية.
ولم تتوقف مبادراته عند حدود الدعم الإنساني، بل امتدت إلى قيادة جهود المصالحات المجتمعية ورتق النسيج الاجتماعي، وهي أدوار أسهمت في تعزيز الاستقرار داخل الولاية.

وتقديراً لهذه الجهود، صدر قرار بتعيينه رئيساً للمجلس الأعلى للسلم المجتمعي بولاية الجزيرة، وهو تكليف يعكس الثقة في حكمته وقبوله المجتمعي.

إن تكريم الشيخ عبدالمنعم أبوضريرة لم يكن تكريماً لشخصه وحده، وإنما كان تكريماً لكل من يجعل خدمة الناس منهجاً، والعمل الوطني رسالة.

كما أن اختيار الدكتور عباس جوليت حمل رسالة وفاء لكل من وقف إلى جانب السودان في أحلك الظروف، وأسهم في تخفيف معاناة شعبه.

لقد نجحت جمعية الهلال الأحمر السوداني في أن تجعل من هذا الحدث الإقليمي منصة لإبراز الوجه الحقيقي للسودان؛ السودان الذي يعمل ولا يضج، ويمنح ولا ينتظر المقابل.

وكانت الرسالة الأهم التي خرج بها المشاركون أن السودان، رغم جراح الحرب، لا يزال يمتلك مؤسسات وطنية قوية، قادرة على قيادة المبادرات الإنسانية بكفاءة ومسؤولية.

ويحسب لرئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني الأستاذ عبدالرحمن بلال بالعيد، وللأمين العام الأستاذ أحمد الطيب، أنهما قادا هذا الحدث بروح الفريق الواحد، وبفكر مؤسسي يعلي قيمة الإنجاز على حساب الشعارات.

لقد أثبتت الجمعية أن العمل الإنساني ليس مجرد توزيع للمساعدات، وإنما هو بناء للثقة، وترسيخ لقيم التضامن، وصناعة لجسور التواصل بين الشعوب.

كما أكدت أن السودان ما زال يحتفظ بمكانته الطبيعية داخل محيطه الأفريقي والإقليمي، وأن الظروف الاستثنائية لم تنل من قدرته على العطاء أو من حضوره في الساحة الإنسانية.

ولم يكن هذا النجاح نجاحاً لجمعية الهلال الأحمر السوداني وحدها، بل كان نجاحاً لكل السودان، ورسالة بأن هذا الوطن لا يزال قادراً على صناعة الإنجازات عندما تتوافر الإرادة والإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى