من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: ليس كل رحيل خسارة… وليس كل بقاء نعمة

كم من شيء بكيناه بحرقة، وتمنينا لو أن الأيام تعيده إلينا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن فقدانه كان نجاة، وأن رحيله كان رحمة، وأن الله حين صرفه عنا، كان يعلم ما لا نعلمه، ويرى ما لا نراه.
كم من باب أُغلق في وجوهنا فظننا أن الحياة قد ضاقت، وكم من إنسان رحل فاعتقدنا أن الفرح رحل معه، وكم من أمنية لم تتحقق فحسبنا أن أقدارنا خذلتنا، بينما كانت حكمة الله تخبئ لنا ما لم تكن عيوننا قادرة على رؤيته!.
نحن نحكم على الأقدار بدموع اللحظة، ونقيس خسائرنا بمقدار وجعنا، وننسى أن ما نتمناه ليس بالضرورة خيراً لنا، وأن بعض الأشياء لو امتلكناها لأتعبتنا، وبعض الأشخاص لو بقوا معنا لأطفأوا في أرواحنا نوراً لا يعود.
ليست كل خسارة شراً، وليست كل نهاية هزيمة، فأحياناً يكون المنع عين العطاء، ويكون الرحيل بداية النجاة، ويكون الباب الذي أُغلق في وجهك هو نفسه الباب الذي حماك الله من الدخول منه إلى وجع لم تكن تحتمله.
لا بأس أن تحزن، فالقلب ليس حجراً، ولا بأس أن تبكي، فبعض الأوجاع لا تغسلها الكلمات، لكن لا تسمح للحزن أن يقنعك بأن الحياة انتهت عند ما فقدت، ولا تقضِ عمرك واقفاً أمام باب أُغلق، ناسياً أن في الحياة أبواباً أخرى قد تُفتح، وأقداراً أجمل قد تأتي في الوقت الذي لا تتوقعه.
أحسن الظن بالله، حتى حين لا تفهم حكمته، وارضَ بتدبيره حتى حين يخالف أمنياتك، فليس مطلوباً منك أن تعرف الغيب كي تطمئن، بل يكفيك أن تثق بمن يعلم الغيب.
قد يأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، فتبتسم لما أبكاك، وتحمد الله على ما حُرمت منه، وتدرك أن بعض الأقدار التي قاومتها بقلبك كانت تحمل لك رحمة لم تعرف كيف تراها في حينها.
لا تحزن على شيء فقدته، فربما لو ملكته لكان الحزن أكبر!
امضِ في حياتك، وخذ بالأسباب، ولا تتوقف عن الدعاء، لكن لا تجعل سعادتك رهينة أمنية واحدة، ولا تربط مستقبلك بشخص أو شيء لم يُكتب لك.
وقل بقلب مطمئن: يا رب، إنني لا أفهم حكمتك الآن، لكنني أثق برحمتك، ولا أعرف أين الخير، لكنني أؤمن أن اختيارك لي خير من اختياري لنفسي.
إني من منصتي أنظر …. حيث أقول : ما دام الله يدبّر أمرك، فلا تيأس إذا تأخر ما تحب، ولا تحزن طويلاً على ما فاتك، ولا تظن أن نهاية حكاية كنت تتمناها تعني نهاية الحكايات الجميلة في حياتك.
الخيرة فيما اختار الله… وما أبكاك اليوم، ربما يكون غداً أكثر ما تحمد الله عليه.

