مقالات

من الهامش.. بشرى بشير يكتب: معتصم أحمد صالح… ريحانة حكومة الأمل

في خضم المشهد السياسي السوداني وما يحيط به من تحديات وتعقيدات، تبرز بين الحين والآخر شخصيات تتقدم إلى واجهة العمل العام، ليس بكثرة التصريحات أو بريق المناصب، وإنما بما تقدمه من عمل ميداني وما تتركه من أثر ملموس في حياة المواطنين. ومن بين هذه الشخصيات يبرز وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الاتحادي، معتصم أحمد صالح، الذي استطاع أن يصنع لنفسه حضورًا لافتًا في المشهد التنفيذي، حتى بات، في تقديرنا، واحدًا من أكثر وزراء حكومة الأمل نشاطًا وحركة، الأمر الذي يجعلنا نطلق عليه لقب «ريحانة حكومة الأمل».

وحكومة الأمل التي يقودها الدكتور كامل إدريس لم تكن، حتى الآن، عند مستوى تطلعات قطاعات واسعة من المواطنين الذين ينتظرون منها الكثير في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فالمواطن السوداني أنهكته الحرب، وأثقلت كاهله أعباء المعيشة، وتضاعفت احتياجاته إلى الخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية ومصادر الدخل التي تحفظ له كرامته وتعينه على مواجهة قسوة الحياة.

ولعل من المفارقات أن بعض الوزراء، رغم شغلهم مواقع تنفيذية رفيعة، لا يحظون بحضور واضح في حياة المواطن اليومية، حتى إن كثيرين قد لا يعرفون أسماء عدد من أعضاء الحكومة التي يتجاوز عدد وزرائها العشرين وزيرًا.

وهنا يأتي السؤال المشروع: ما الذي يجعل المواطن يتذكر وزيرًا دون آخر؟ هل هو المنصب وحده، أم أن المعيار الحقيقي هو العمل والإنجاز والاقتراب من الناس؟.

في تقديرنا، الإجابة واضحة؛ فالمنصب العام ليس وجاهة اجتماعية ولا مقعدًا مريحًا في المكاتب، وإنما مسؤولية وطنية تستوجب الحركة والمتابعة والوقوف على احتياجات المواطنين، لا سيما في بلد يعيش ظروفًا استثنائية.

دعونا نعود إلى وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الاتحادي، معتصم أحمد صالح، الذي لا تربطنا به معرفة شخصية، ولا تجمعنا به مصالح أو علاقات خاصة، وإنما نتناول تجربته من واقع ما نتابعه من نشاطه وتحركاته الميدانية.

وما نكتبه اليوم ليس مجاملة لشخصه، ولا سعيًا وراء التقرب منه، بل هو شهادة صحفية في تجربة تستحق التوقف عندها وقراءة ما يمكن أن تقدمه للمواطن السوداني.

قد لا يعرف كثير من المواطنين تفاصيل المسيرة السياسية للوزير أو الجهة التي جاء من خلالها إلى موقعه التنفيذي، لكن ما يهمنا هنا هو ما يقدمه في موقع المسؤولية، وما إذا كان قادرًا على تحويل المنصب إلى أداة لخدمة الناس.

فالرجل جاء ضمن الترتيبات السياسية المرتبطة بمشاركة الحركات المسلحة في السلطة وفق اتفاق جوبا للسلام، لكن وجوده في الوزارة لا ينبغي أن يُقاس فقط بالخلفية السياسية أو بالجهة التي ينتمي إليها، وإنما بما يقدمه من عمل، وما يحققه من نتائج، ومدى قدرته على الاستجابة لاحتياجات الفئات التي تقع في دائرة اختصاص وزارته.
والحق يقال إن معتصم أحمد صالح استطاع، من خلال تحركاته الميدانية، أن يلفت الأنظار إلى أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان.

فمنذ توليه مهام الوزارة، بدا واضحًا اهتمامه بالزيارات الميدانية والوقوف على أحوال المواطنين في الولايات المختلفة، في خطوة تعكس إدراكًا لطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق الوزارة، التي لا تقتصر مهامها على إدارة الملفات من العاصمة، بل تمتد إلى متابعة أوضاع الشرائح الأكثر هشاشة والعمل على تحسين ظروفها المعيشية والاجتماعية.

إن ما يميز المسؤول الناجح هو قدرته على الانتقال من المكاتب إلى الميدان، ومن التقارير المكتوبة إلى المعايشة المباشرة، ومن الوعود إلى البرامج التي يستفيد منها الناس.

وفي هذا الجانب، فإن نشاط الوزير معتصم أحمد صالح يستحق الإشادة؛ فقد شهدت الفترة الماضية تحركات وزيارات شملت عددًا من الولايات، بما يفتح المجال أمام التعرف على احتياجات المواطنين عن قرب، والوقوف على طبيعة المشكلات التي تواجه المؤسسات والبرامج التابعة للوزارة.

فالوزارة التي يتولى مسؤوليتها ليست وزارة هامشية في حياة المجتمع، بل إنها تمس بصورة مباشرة حياة الفقراء والمساكين والأسر محدودة الدخل والأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم من الفئات التي تحتاج إلى رعاية خاصة وبرامج دعم مستدامة.

وهؤلاء لا يحتاجون إلى التعاطف اللفظي وحده، ولا إلى الوعود التي تتردد في المناسبات، وإنما يحتاجون إلى سياسات واضحة ومشروعات قابلة للتنفيذ وفرص حقيقية تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم وتمنحهم القدرة على المشاركة في الإنتاج والحياة العامة.

ومن هنا تبرز أهمية العمل الميداني الذي ينتهجه الوزير؛ لأن الاقتراب من المواطنين يتيح التعرف على احتياجاتهم الفعلية، ويمنح المسؤول فرصة لتقييم البرامج على أرض الواقع بدلًا من الاكتفاء بما يُرفع إليه من تقارير.

ولكن، حتى يكون هذا النشاط أكثر تأثيرًا، فإن المطلوب هو أن تتحول الزيارات الميدانية إلى برامج مستمرة، وأن تُقاس نتائجها بما يتحقق من تحسن في حياة المستفيدين، لا بعدد الولايات التي تمت زيارتها أو الفعاليات التي جرى تدشينها.

فالمواطن لا يريد فقط أن يرى الوزير في ولايته، بل يريد أن يلمس أثر تلك الزيارة في حياته اليومية، وأن يجد ما يؤكد أن صوته قد وصل، وأن احتياجاته أصبحت جزءًا من أولويات العمل التنفيذي.

بالأمس، اختتم وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الاتحادي زيارته إلى ولاية سنار، وهي زيارة حملت في طياتها عددًا من الأنشطة والبرامج، من بينها تدشين الوثبة الثانية من نفرة الأمل، التي تستهدف تقديم الدعم للمواطنين وتعزيز برامج الرعاية الاجتماعية.

وبحسب المعلومات التي صاحبت هذه النفرة، فقد تجاوزت قيمة ما أُعلن عنه من دعم خمسة وعشرين مليون جنيه، فيما امتدت الاستفادة لتشمل أكثر من ثلاثة وستين ألف مستفيد، في أرقام تعكس حجم البرنامج وأهمية الوقوف على تفاصيله وآليات تنفيذه.

واللافت في هذه النفرة، وفق ما أُعلن، هو غلبة طابع التمليك على تدخلاتها، وهو اتجاه يستحق الاهتمام؛ لأن تمليك المستفيدين الأدوات أو الأصول الإنتاجية، متى ما صُمم بصورة صحيحة، يمكن أن يمثل مدخلًا مهمًا للانتقال من المساعدات الآنية إلى دعم سبل كسب العيش.
فالمساعدة المباشرة قد تسد حاجة عاجلة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة جذور الفقر، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن السوداني. أما البرامج التي تمنح المستفيد فرصة للعمل والإنتاج، وتوفر له وسائل تساعده على اكتساب دخل مستمر، فإن أثرها يمكن أن يمتد إلى الأسرة والمجتمع المحلي.

وهنا تكمن أهمية أن تكون نفرة الأمل أكثر من مجرد مناسبة للتدشين، وأن تتحول إلى مشروع اجتماعي متكامل، تبدأ خطواته بتحديد المستفيدين وفق معايير واضحة، ثم اختيار وسائل الدعم المناسبة لاحتياجاتهم، وتوفير التدريب والإرشاد، ومتابعة المشروعات بعد تسليمها حتى لا ينتهي أثرها بانتهاء مراسم التدشين.

كما أن نجاح مثل هذه البرامج يتطلب التنسيق مع حكومة ولاية سنار والجهات ذات الصلة، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحقيق العدالة في توزيع الفرص، وتفادي تكرار المساعدات لبعض الفئات على حساب فئات أخرى أشد احتياجًا.

وإن الحديث عن أكثر من ثلاثة وستين ألف مستفيد يضع أمام الجهات المعنية مسؤولية كبيرة في توضيح طبيعة الاستفادة، والفئات المستهدفة، وكيفية قياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي للبرنامج. فكلما اتسمت هذه البرامج بالشفافية والوضوح، زادت ثقة المواطن في المؤسسات الحكومية، وأصبح قادرًا على تقييم النتائج بصورة موضوعية.

فولاية سنار، شأنها شأن بقية ولايات السودان، تواجه تحديات معيشية واجتماعية كبيرة، وتحتاج إلى تدخلات تتناسب مع حجم احتياجات مواطنيها، خاصة الأسر التي تضررت مصادر دخلها، والفئات التي تعاني من ضعف الإمكانات ومحدودية فرص العمل.

ولذلك، فإن زيارة الوزير إلى الولاية يجب أن تكون بداية لمسار من التعاون المستمر بين الوزارة الاتحادية وحكومة الولاية، وليس محطة تنتهي بانتهاء الزيارة.

إن المطلوب هو وضع خريطة واضحة للاحتياجات الاجتماعية، وتحديد أولويات التدخل، والتوسع في برامج التمليك والإنتاج، ودعم التدريب المهني، وفتح مسارات تساعد الشباب والنساء والأسر محدودة الدخل على تحسين أوضاعهم.

كما أن الأشخاص ذوي الإعاقة يستحقون نصيبًا واضحًا من هذه البرامج، من خلال توفير الوسائل المعينة، وتوسيع فرص التدريب والعمل، وتيسير وصولهم إلى الخدمات، بما يضمن مشاركتهم الكاملة في المجتمع، بعيدًا عن النظرة التي تحصر احتياجاتهم في المساعدات الموسمية.

ولعل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، بحكم طبيعة اختصاصها، مؤهلة للعب دور محوري في هذا المجال، إذا ما توفرت لها الموارد اللازمة، وأُحسن توظيف الشراكات مع المؤسسات الوطنية والمنظمات العاملة في المجالين الإنساني والتنموي.

إننا نحتاج إلى الانتقال من مفهوم الرعاية الاجتماعية بوصفها استجابة مؤقتة للفقر، إلى مفهوم أوسع يقوم على التمكين الاقتصادي وبناء القدرات وتوسيع فرص الإنتاج، مع المحافظة على شبكات الحماية الاجتماعية للفئات التي لا تستطيع الاعتماد على نفسها بصورة كاملة.

وحين نصف معتصم أحمد صالح بأنه ريحانة حكومة الأمل، فإننا ننطلق من انطباع صنعه حضوره الميداني ونشاطه في متابعة ملفات وزارته، ومن قناعة بأن المسؤول الذي يتحرك بين الناس ويقترب من مشكلاتهم يمكن أن يترك أثرًا أكبر من مسؤول يكتفي بإدارة الملفات من مكتبه.

لكن الإشادة لا تعني إعفاء أي مسؤول من النقد أو المتابعة، ولا تعني أن الطريق قد انتهى بمجرد تسجيل حضور لافت في الميدان. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بكثرة الزيارات أو عدد المبادرات التي تُدشَّن، بل بمدى استمراريتها، وقدرتها على الوصول إلى المستحقين، ونتائجها على حياة المواطنين.

ومن حق المواطن أن يسأل عن مآلات الدعم، وعن استمرارية المشروعات، وعن حجم التحسن الذي أحدثته في حياة الأسر المستفيدة، ومن واجب المؤسسات المعنية أن تقدم المعلومات التي تساعد المجتمع على متابعة هذه البرامج وتقييمها.

كما أن الوزير، مهما بلغ نشاطه، لا يستطيع وحده تحقيق كل الأهداف ما لم يجد الدعم المؤسسي والتنسيق الفاعل مع الولايات، وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة، إلى جانب المتابعة والرقابة اللتين تضمنان حسن التنفيذ.

إن حكومة الأمل، إذا أرادت أن تستعيد ثقة المواطنين، فعليها أن تجعل من النماذج الإيجابية في الأداء مدخلًا لتطوير العمل الحكومي كله، وأن تنتقل من الجهد الفردي إلى منظومة متكاملة تعمل وفق خطط واضحة وأهداف قابلة للقياس.

فالمواطن لا ينتظر أسماء لامعة بقدر ما ينتظر حكومة يشعر بوجودها في تفاصيل حياته؛ حكومة توفر له الخدمات الأساسية، وتحمي الفئات الضعيفة، وتفتح أبواب الأمل أمام الشباب، وتعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج.

هامش أخير

إن تجربة الوزير معتصم أحمد صالح في التحرك الميداني والاهتمام ببرامج الرعاية الاجتماعية تستحق المتابعة والتقييم، كما أن نفرة الأمل بولاية سنار تمثل فرصة مهمة لتعزيز التدخلات الاجتماعية، خاصة إذا ما استمر نهج التمليك والتمكين، وتوفرت لهما المتابعة والشفافية والاستدامة.

ونحن من موقعنا الصحفي نؤمن بأن الإشادة بالجهد المبذول لا تتعارض مع المطالبة بالمزيد، بل إن النقد الموضوعي والإضاءة على التجارب التي تستحق الاهتمام يمثلان جزءًا من مسؤوليتنا تجاه المجتمع.

فإذا كان معتصم أحمد صالح قد اختار أن يكون وزيرًا ميدانيًا، فإن التحدي الأكبر أمامه هو أن يجعل من هذا الحضور نتائج مستدامة يشعر بها المواطن في سنار وغيرها من الولايات، وأن تتحول نفرة الأمل من مبادرة مرحلية إلى مسار حقيقي لمحاربة الفقر وتعزيز الكرامة الإنسانية.

أما حكومة الأمل، فإنها تحتاج إلى أن تجعل من خدمة المواطن معيارها الأول، وأن تدرك أن ثقة الناس لا تُكتسب بالخطابات، وإنما بالإنجازات التي يرونها ويلمسونها في واقعهم.

فالوزير الناجح هو الذي يترك أثرًا بعد مغادرته، والمبادرة الناجحة هي التي تستمر بعد انتهاء تدشينها، والحكومة الناجحة هي التي يشعر المواطن بأنها تعمل من أجله.

نسأل الله النصر لقواتنا المسلحة السودانية والقوات المساندة لها، وأن يحفظ السودان وأهله، وأن يديم على بلادنا نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجمع كلمة السودانيين على الخير والسلام.
وما النصر إلا من عند الله.
ولنا عودة..
📞 0123998911
📧 Bushraelbushra662@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى