هشام الريدة.. ابن النيلين وفارس التطوع العربي

البحرين: عبدالعزيز راشد السندي
اختارت مجلة «تطوع» في عددها الأخير الدكتور هشام صلاح الدين أحمد الريدة، نائب رئيس الاتحاد العربي للعمل التطوعي، شخصيةً للعدد، تقديراً لمسيرته الحافلة في ميادين العمل التطوعي والإنساني، وما قدمه من جهود في دعم المبادرات المجتمعية وتمكين الشباب وتعزيز ثقافة التطوع على المستويين العربي والدولي.
وفي هذا العدد، كتب عبدالعزيز راشد السندي، رئيس جمعية البحرين للعمل التطوعي، عن تجربة الريدة ومسيرته في العطاء، مقدماً قراءة في شخصية سودانية استطاعت أن تجعل من العمل التطوعي رسالة تتجاوز الحدود، ومن خدمة المجتمع نهجاً راسخاً في مسيرتها.
وجاء اختيار الريدة ليكون «شخصية العدد» انعكاساً لما حققه من حضور في ساحات العمل التطوعي العربي والدولي، وما ارتبط باسمه من مبادرات ومشاركات وشراكات أسهمت في مد جسور التواصل بين المتطوعين والمؤسسات والمجتمعات العربية.
وكتب السندي تحت عنوان «هشام الريدة.. ابن النيلين فارس التطوع العربي»، مستعرضاً جوانب من مسيرة الريدة، بدءاً من نشأته في أم درمان، مروراً بتجربته في العمل الشبابي والتطوعي، وصولاً إلى موقعه نائباً لرئيس الاتحاد العربي للعمل التطوعي.
ومن السودان، بلد النيلين، ومن أحياء أم درمان العريقة، حيث تتشابك حكايات الناس مع قيم الأصالة والانتماء، بدأت رحلة الدكتور هشام صلاح الدين أحمد الريدة؛ رحلة آمن منذ وقت مبكر بأن خدمة الإنسان هي أسمى أشكال النجاح.
لم يكن الطريق مفروشاً بالإنجازات، لكنه كان مليئاً بالإصرار على التعلم والعطاء، ورسالة حياة قبل أن تكون مسؤولية أو منصباً. حمل شغفه بخدمة المجتمع والوطن، فجمع بين العلم والقيادة، ونال ليسانس الحقوق من جامعة بيروت العربية، ثم واصل مسيرته بالدراسات العليا في القانون الدولي ودبلوماسية السلام والتنمية، إلى جانب عشرات البرامج المتخصصة في القيادة والإدارة والتخطيط الاستراتيجي.
تنقل الريدة بين محطات قيادية صنعت أثراً واضحاً في العمل الشبابي والتطوعي، فقاد مؤسسات ومنظمات وطنية، وترأس اتحاد شباب ولاية الخرطوم، وأسهم في بناء المبادرات المجتمعية وتمكين الشباب، حتى أصبح نائباً لرئيس الاتحاد العربي للعمل التطوعي، ممثلاً لصوت العطاء العربي في المحافل الإقليمية والدولية.
حضور سوداني في فضاء التطوع العربي والدولي
ومنذ تأسيس الاتحاد العربي للعمل التطوعي في العام 2023، برز الدكتور هشام صلاح الدين الريدة على مستوى العمل التطوعي العربي والدولي، من خلال مشاركاته وتحركاته الواسعة التي أسهمت في تعزيز حضور السودان داخل منظومة العمل التطوعي الإقليمية والدولية.
ولم يكتفِ الريدة بالمشاركة في المؤتمرات والملتقيات والفعاليات التطوعية، بل جعل من حضوره مساحة للتعريف بالتجربة السودانية في العمل التطوعي، وإبراز ما يمتلكه السودان من طاقات شبابية ومبادرات مجتمعية قادرة على صناعة الفرق، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وعلى امتداد هذه المسيرة، ظل الريدة حريصاً على عكس الوجه المشرق والمشرف للسودان في المحافل العربية والدولية، مقدماً صورة مختلفة عن الوطن، تؤكد أن السودان ليس فقط بلد الأزمات والحروب، وإنما بلد يمتلك تاريخاً عريقاً في العطاء والتكافل والمبادرات الإنسانية والعمل المجتمعي.
وقد أسهم وجوده في مواقع قيادية بالاتحاد العربي للعمل التطوعي في فتح مساحات جديدة للتعاون بين المؤسسات والاتحادات والمنظمات التطوعية، وربط التجربة السودانية بنظيراتها في الدول العربية والمجتمع الدولي، بما يعزز فرص تبادل الخبرات وبناء الشراكات وإطلاق المبادرات المشتركة.
ويؤمن الريدة بأن التطوع يمكن أن يكون واحداً من أهم جسور الدبلوماسية الشعبية، وأن الصورة التي يقدمها المتطوع عن وطنه قد تكون أكثر تأثيراً من الخطابات الرسمية. لذلك ظل حريصاً على أن يكون حضوره في المؤتمرات والملتقيات العربية والدولية فرصة للتعريف بالسودان، وبثقافته وشبابه وتجربته في التكافل والعمل الإنساني، مؤكداً أن السودانيين قادرون على صناعة الأمل حتى في أصعب الظروف.
وبهذه الرؤية، لم يعد حضور هشام الريدة في ساحات التطوع العربي مجرد مشاركة شخصية، وإنما أصبح امتداداً لحضور السودان نفسه، ورسالة تؤكد أن العطاء السوداني عابر للحدود، وأن الوجه الحقيقي للسودان هو وجه الإنسان المعطاء، المتسامح، القادر على البناء وصناعة المستقبل.
من السودان إلى العالم
ولم تتوقف رسالته عند حدود وطنه، بل حملها إلى العديد من الدول العربية والدولية، مشاركاً في المؤتمرات والملتقيات وتوقيع اتفاقيات التعاون، ومؤمناً بأن التطوع جسر للتنمية، وأن الشباب هم صُنّاع المستقبل.
وحمل الريدة رسالة العطاء إلى مؤتمرات وملتقيات في البحرين ومصر والمغرب وتركيا وقطر والأردن وسوريا وليبيا ولبنان وإريتريا وغيرها من الدول، ليبني جسوراً من التعاون والتواصل، ويقدم نموذجاً للتجربة السودانية في العمل التطوعي، ويؤكد أن الإنسان هو الاستثمار الأهم في نهضة المجتمعات.
ولم تكن تلك المشاركات مجرد حضور في فعاليات عابرة، وإنما شكلت بالنسبة إليه فرصة للتعريف بالسودان وإمكانياته البشرية والمجتمعية، والتأكيد على أن الشباب السوداني يمتلك من القدرات والمبادرات ما يؤهله للمساهمة في صناعة المستقبل.
العطاء قبل الألقاب
وتقديراً لمسيرته الحافلة، مُنح الريدة الدكتوراه الفخرية في العمل التطوعي، تقديراً لإسهاماته في خدمة وتعزيز ثقافة التطوع العربي، ليظل نموذجاً للقائد الذي جعل من المبادرة أسلوباً للحياة، ومن العمل الإنساني رسالة تتجاوز الحدود.
ورغم ما حققه من نجاحات، ظل هشام الريدة مؤمناً بأن أعظم الأوسمة ليست تلك التي تُعلّق على الصدور، بل تلك التي تسكن دعوات الناس وابتساماتهم. ولهذا بقي حاضراً في المبادرات، قريباً من الشباب، داعماً للأفكار، وصانعاً للأمل.
إن قصة هشام الريدة ليست مجرد سيرة قائد، بل حكاية إنسان جعل من التطوع أسلوب حياة، ومن القيادة مسؤولية، ومن العطاء رسالة لا تعرف الحدود.
ولذلك استحق، عن جدارة، أن يُلقب بـ**«فارس التطوع العربي»**؛ لأن الفرسان الحقيقيين لا يصنعون المجد لأنفسهم، بل يتركون خلفهم طرقاً يسير عليها الآخرون نحو مستقبل أكثر إنسانية.
لكن القصة الحقيقية لم تُكتب في قاعات الاجتماعات، بل في الميدان؛ حيث آمن بأن التطوع لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، وأن خدمة الإنسان هي القيمة التي تتجاوز اختلاف الأوطان والحدود.
ومن هنا جاءت تجربته امتداداً لمسيرة سودانية عريقة في العمل الإنساني والمجتمعي، ومسعى دائماً إلى تقديم السودان بصورته التي يستحقها؛ السودان الذي يعرفه أهله، بلد الكرم والتكافل والمبادرات، وبلد الشباب القادر على تجاوز المحن وصناعة الأمل.
إن اختيار هشام الريدة شخصيةً للعدد لا يمثل تكريماً لشخصه فحسب، وإنما يمثل احتفاءً بقيمة التطوع نفسها، وبالرسالة التي يحملها كل من يؤمن بأن خدمة الناس يمكن أن تكون طريقاً لبناء الأوطان.
وهكذا تظل تجربة هشام الريدة نموذجاً لمسيرة تتجاوز حدود المناصب والألقاب، لتؤكد أن العمل التطوعي حين يتحول إلى قناعة وسلوك يومي، يصبح قوة قادرة على صناعة التغيير، وبناء جسور المحبة والتعاون بين الشعوب.
هشام الريدة.. ابن النيلين الذي حمل رسالة السودان إلى فضاء التطوع العربي والدولي، وجعل من العطاء جسراً يصل الإنسان بالإنسان، ومن حضوره في المحافل الدولية نافذة يطل منها السودان بوجهه المشرق والمشرف.

