دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: عنق الزجاجة (1)

لماذا يعزف معظم السودانيين عن الانخراط في العمل العام، ثم يتركون مصيرهم رهناً بقوى سياسية تحتكر الحديث باسمهم وتتنافس على السلطة نيابة عنهم؟ ربما أسهمت خيبات التجارب السابقة، وتقلبات المواقف، والإقصاء المتبادل، في ترسيخ الاعتقاد بأن السياسة مستنقع لا يستحق الاقتراب منه. لكن هذا العزوف، وإن بدا احتجاجاً صامتاً، أتاح المجال لقوى تقوقعت في قوالب أيديولوجية تقليدية، لم تُطعم السودانيين من جوع، ولم تتركهم يأكلون من خشاش الأرض. وهكذا تحولت السياسة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى ساحة مغلقة تتداول فيها مجموعات محدودة الأدوار والمواقع، بينما يقف أصحاب المصلحة الحقيقيون على الهامش، يراقبون مصير وطنهم وكأنهم غرباء عنه.
ولعل عودة كوادر النظام البائد إلى واجهات العمل العام ومفاصل الدولة تثير استنكاراً مشروعاً، لكنها لا ينبغي أن تكون مفاجأة كاملة؛ فهؤلاء لم يغادروا المشهد بالضرورة، وإنما انحنوا للعاصفة، تاركين الصفين الثاني والثالث في مواقع تسمح لهم بالعودة حين تتغير الظروف. والمفارقة المؤلمة أنه رغم ما بلغه السودان من دمار ونزيف جراء الحرب، يبدو أننا لم نتعلم ما يكفي من دروسها؛ فما زال الصراع على عنق الزجاجة محتدماً بين المجموعات السياسية ذاتها، وما زالت بعض القيادات تتعامل مع نهاية الحرب باعتبارها فرصة لإقصاء المنافسين والاستئثار بالمشهد، لا مناسبة لمراجعة الأخطاء وتغيير قواعد اللعبة. وبينما يدفع السودانيون أثمان الحرب من أرواحهم وأرزاقهم وكرامتهم، تنشغل النخب بمعركة من يخرج منتصراً على الآخر، لا كيف يخرج الوطن من محنته. إنها إعادة إنتاج للأزمة، حتى لو اختلفت الشعارات والوجوه.
إن الخروج من عنق الزجاجة لن يتحقق بتبديل مجموعة سياسية بأخرى، ولا بانتظار صحوة ضمير لدى من اعتادوا احتكار القرار، وإنما باستعادة السودانيين حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية بالأصالة، وانتزاع التفويض ممن لا يستحقونه. ولا يعني ذلك أن يتحول الجميع إلى سياسيين، بل أن يشاركوا في الشأن العام، وينظموا مبادراتهم، ويحاسبوا من يتحدثون باسمهم، ويفرضوا أجندة وطنية تبدأ بإنهاء أسباب الحرب وحماية المدنيين، وتنتهي ببناء دولة القانون. فالتفويض ليس شيكاً على بياض، والصمت ليس حياداً بريئاً حين يصبح ثمنه مصادرة الإرادة الشعبية. وما لم يتخلَّ السودانيون عن اللامبالاة، ويدركوا أن السياسة شأنهم وليست امتيازاً للنخب، فسيظلون أسرى عنق الزجاجة، ينتظرون من يحتجزون الوطن أن يمنحوهم إذن الخروج منه، ونواصل.
الخرطوم 16 أكتوبر 2026

