تقارير

بين الدور السيادي والمسؤولية الأهلية.. بيان جالية أسوان يثير أسئلة حول الأداء والاختصاصات

أسوان: هيثم موسى

تُعد القنصليات والبعثات الدبلوماسية إحدى أهم مؤسسات الدولة في الخارج، إذ تضطلع بمسؤوليات سيادية وقانونية وإنسانية تجاه المواطنين، وتعمل وفق لوائح وزارة الخارجية وقواعد العمل الدبلوماسي المعروفة دولياً. كما تمثل حلقة الوصل الرسمية بين الدولة ومواطنيها بالخارج، وتباشر مهامها عبر أطر إدارية ومؤسسية واضحة لا تخضع للأمزجة أو الضغوط أو الاعتبارات الشخصية.

وفي المقابل، تنشأ الجاليات السودانية بالخارج كأجسام أهلية تطوعية هدفها خدمة السودانيين وتعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية بينهم، وتمثيل مصالحهم في القضايا المجتمعية والخدمية. ولذلك فإن نجاح أي مكتب للجالية يقاس بمدى قدرته على خدمة أعضائه وتنفيذ برامجه وتحقيق الأهداف التي انتخب من أجلها.

وفي هذا السياق، أثار البيان الأخير الصادر عن مكتب الجالية السودانية بأسوان العديد من التساؤلات، ليس فقط بسبب الاتهامات التي وجهها إلى القنصلية، وإنما لما تضمنه من إقرار ضمني بتعثر المكتب في أداء دوره الأساسي تجاه أعضاء الجالية.

فقد أشار البيان إلى وجود خلافات وتباينات في التنسيق مع القنصلية، إلا أن المتابعين يرون أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون مبرراً لتراجع المكتب عن أداء واجباته الأساسية في خدمة وتمثيل أبناء الجالية، وهي مهام مستقلة بطبيعتها عن العلاقة الإدارية مع القنصلية.

ويُعد أبرز ما ورد في البيان اعتراف المكتب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بعدم تمكنه من القيام بالدور المنتظر منه في خدمة وتمثيل أعضاء الجالية، وهو اعتراف يضع علامات استفهام كبيرة حول حصيلة الأداء خلال الفترة الماضية، ويفتح الباب أمام تقييم موضوعي للتجربة من قبل القواعد التي منحته الثقة.
كما تضمن البيان اتهامات للقنصلية بالعمل باسم الجالية وتنفيذ برامج تحت مظلتها، غير أن هذه الاتهامات جاءت دون إيراد وقائع أو أمثلة محددة تدعمها. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار القنصلية في أداء مهامها وخدماتها للمواطنين يظل جزءاً من واجباتها الرسمية التي لا ترتبط بوجود أو غياب أي جسم أهلي.

ومن زاوية أخرى، دعا مكتب الجالية إلى تدخل رئيس الوزراء ووزير الخارجية لمعالجة الأزمة، مشترطاً تغيير القنصل لاستئناف التعاون. ويرى مراقبون أن هذا الطرح تجاوز عدداً من المستويات الإدارية والمؤسسية المعنية بالنظر في مثل هذه القضايا، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ التدرج المؤسسي الذي أكد المكتب نفسه حرصه على حمايته وصيانته.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأبرز التي كشفها البيان هي الإقرار بتراجع دور مكتب الجالية في خدمة وتمثيل أعضائه، وهي القضية التي تستحق الوقوف عندها أكثر من أي خلافات جانبية، لأن معيار النجاح الحقيقي لأي جالية يظل مرتبطاً بمدى قدرتها على خدمة مواطنيها، بينما تواصل القنصلية أداء دورها الرسمي باعتبارها مؤسسة من مؤسسات الدولة السودانية العاملة بالخارج وفق القوانين واللوائح المنظمة لعملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى