الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: ما هذا يا بنك السودان؟إنها قضيةٌ تُحالُ إلى هيئة النزاهة والشفافية

في مشهد غريب ومربك من مشاهد التناقض الإداري، أعلن بنك السودان المركزي عن منح شركة “عسجد للحلول الرقمية والذكية” اتفاقية للعمل في مجال خدمات نظم الدفع الإلكتروني، لتضج وسائل الإعلام بهذا الخبر وكأنه إنجاز كبير يُحسب للبنك. لكن سرعان ما انقلبت الطاولة، وإذا بموجة نقد عنيفة تتصاعد، لتكشف عن هشاشة القرار وعدم دراسته، فيتراجع البنك ويعلن إلغاء التصديق الممنوح للشركة بعد “مراجعة شاملة لأوضاعها” .
هنا يقف المرء متأملاً متسائلاً: ما هذا يا بنك السودان؟ وكيف لمنح اتفاقية ثم إلغائها في فترة وجيزة أن يكون إلا دليلاً على إخفاق في التنظيم الإداري؟ فالقرار الذي يمنح ثم يُسحب بهذه السرعة، لا يمكن قراءته إلا على أنه إما صدر دون دراسة كافية لعرض الشركة من الأساس، أو أن هناك تخوفاً من أن يكشف الغطاء عن أمر مخفي، ما دفع إلى التراجع السريع وكأن شيئاً لم يكن.
إن هذا التخبط يطرح أكثر من سؤال حول الآليات المتبعة في مؤسسات الدولة. فالاتفاقيات التي تمس القطاع المالي الحيوي، والتي تتعلق بمهام سيادية كالمقاصة المصرفية وتسوية المدفوعات، لا يمكن أن تمر بهذه السهولة. كان من المفترض أن تخضع أي جهة تتقدم بطلب اتفاق مع الحكومة لتدقيق أمني ومالي شامل، وفحص دقيق للسيرة الذاتية، وتقييم للخبرات والكفاءات، وفق معايير فنية ورقابية معلنة وواضحة. لكن ما حدث يوحي بأن القرار الأول لم يكن مبنيًا على هذه الأسس، بل ربما تم عبر “واسطة” أو بتأثير من جهة نافذة، قبل أن يفاجأ البنك بحجم الانتقادات الشعبية والنخبوية فيتراجع خوفاً من كشف ما وراء الستار.
‘ هذا التساؤل يقودنا مباشرة إلى السؤال الأهم: أين هيئة النزاهة والشفافية مما حدث؟.
إن صمت الهيئة، أو غيابها عن المشهد، يُعد إشكالية بحد ذاتها. فمن المفترض أن تكون هيئة النزاهة والشفافية، برئاسة الفريق شرطة عابدين الطاهر، هي الحارس الأمين والرقب على مثل هذه الصفقات، لضمان الشفافية والنزاهة ومنع الفساد قبل ان يقع ! ! !. لكن ما حدث في قصة “عسجد، من منح ثم إلغاء، يشير إلى خلل في منظومة الرقابة بأكملها. فهل قامت الهيئة بدراسة هذه الاتفاقية قبل إبرامها؟ وهل لها أي رأي في كيفية التعاقد مع شركات القطاع الخاص في مجالات حساسة؟.
نحن لا نشكك في شركة “عسجد” نفسها، وربما قد تكون مؤهلة، وكذلك ربما تكون غير مؤهلة!!، فكل الاحتمالات واردة. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في الأسلوب الذي تم به التعامل مع هذه القضية. فالتعاقد مع شركة “عسجد”، إن تم، كان يجب أن يكون بشفافية تامة، وأن يُطرح للرأي العام بعد دراسة مستفيضة، لا أن يكون مجرد خبر يُنشر ثم يُلغى كما لو كان نزوة عابرة.
آخر المداد:-
إننا نامل من سعادة الفريق عابدين الطاهر، بصفته رئيس هيئة النزاهة والشفافية، بالخروج عن صمته وتوضيح موقف الهيئة مما حدث في بنك السودان. فالشعب ينتظر أن تكشف هيئة النزاهة الحقيقة، مهما كانت، وأن تبين أين يكمن الإخفاق، هل في الإدارة أم في عدم الالتزام بالقوانين والإجراءات. فهو يعرف كيف يخرج الحقائق مهما كانت في سواد الليل، وعلينا أن نثق في قدرته على إلقاء الضوء على هذا الملف الشائك، فإما أن نعرف الحقيقة كاملة، وإما أن نظل نتخبط في ظلام الشكوك والتساؤلات.
الا هل بلغت، اللهم فاشهد، فستذكرون ما أقول لكم وافوض امري الى الله ان الله بصير بالعباد.